طفلة من الشارع تتوسل ادفن أختي
ينكسر
فقدت زوجتي وهربت إلى العمل لأتجنب الألم. لكن حين رأيت لينا وجوديث في ذلك الزقاق أدركت أنه لم يعد أمامي مهرب. أنا لا أطلب امتيازا بل مسؤولية.
أريد أن أكون عائلة لها.
ساد صمت ثقيل قبل أن يقول القاضي أخيرا
بناء على التقارير وعلى غياب أقارب صالحين وعلى الارتباط العاطفي الثابت وعلى رغبة الطفلة تمنح الحضانة المؤقتة ل سامر.
ارتمت لينا عليه وبكى هو للمرة الأولى منذ سنوات.
دخلت الفتاتان منزله الكبير لكن البيت لم يعد كما كان.
لم يعد صامتا بل ممتلئا بالضحكات وباللعب وبالرسوم المعلقة على الجدران.
وفي مساء هادئ وضعت لينا ورقة على الطاولة.
ثلاثة أشخاص مرسومون بخط متردد
رجل طويل وطفلة بضفائر وطفلة صغيرة مبتسمة.
وتحت الرسم كلمة واحدة عائلة.
احتفظ سامر بتلك الورقة كما يحتفظ المرء بأغلى وثيقة في حياته.
لم تكن الأيام التالية خالية من الصعوبات
زيارات تحقيقات فحوصات مخاوف ليلية
لكن كانت هناك أيضا لحظات لم يعرفها من قبل
أعياد ميلاد يوم دراسي أول ضحكات في الحديقة قصص قبل النوم وجدائل شعر يتعلم كيف يصنعها.
وفي ليلة هادئة من تلك السنة التي غيرت حياته كان سامر جالسا في مكتبه المطل على الحديقة الخلفية.
أطفأ الحاسوب وأسند ظهره إلى المقعد الجلدي محاولا
كان البيت ساكنا إلا من نسيم خفيف يحرك الستائر البيضاء وضوء خافت ينبعث من المصباح.
وفي تلك اللحظة سمع وقع خطوات صغيرة يعرفها جيدا.
رفع رأسه فإذا ب لينا تقف عند الباب ممسكة ببطانيتها الوردية تلك التي لا تنام دونها والتي احتضنت فيها خوفها وطفولتها وجوع الشوارع الباردة وليالي بلا سقف.
كانت تجر البطانية خلفها كأنها تسحب معها جزءا من الماضي وتدخله على استحياء إلى حاضرها الجديد.
قالت بصوت خافت يرتجف
بابا ممكن أسألك سؤال
توقف قلبه.
كم انتظر تلك الكلمة دون أن يدري!
كم حلم بها ولم يعترف!
كم بكت روحه حين قالتها أول مرة بخجل وها هي الآن تقولها بثقة طفولية بريئة!
ابتسم ونهض من كرسيه ببطء مشيرا إليها أن تقترب.
طبعا يا بنتي تعالي.
مشت نحوه بخطوات صغيرة فجلس على ركبتيه ليكون بمستواها.
حاول أن يأخذ البطانية منها لكنها هزت رأسها كأنها تريد أن تحتفظ بقطعة من عالمها القديم.
رفعت رأسها إليه وفي عينيها سؤال وخوف ورغبة دفينة بالأمان
هو إنت تفتكر إني يوم من الأيام هكون عبء عليك
عبء يخليك ما تحبش تكمل معايا
انهار شيء عميق بداخله.
تشققت طبقة قديمة من الألم كان يظنها اندملت.
كم ليلة نامت هذه الطفلة مكتومة الأنفاس خوفا من
كم مرة نامت على الرصيف وهي تحتضن أختها الرضيعة تخشى أن يبتلعها الليل أو يسرقها الجوع أو يختفي وجهها من العالم دون أن يلاحظ أحد!
جثا على ركبتيه تماما وأمسك بيديها بحنان كأنه يريد أن يزرع الطمأنينة في جلدها.
نظر مباشرة في عينيها وقال بصدق يشبه صلاة
اسمعيني كويس يا لينا.
إنت مش عبء.
ولا إنت ولا جوديث.
إنتم النور اللي رجع الحياة للبيت بعد ما كانت ضلمة.
إنتم السبب اللي قلبي اتعلم يخفق تاني.
ومستحيل مستحيل أتعب يوم من حملك.
ظهرت الدهشة على وجهها ثم ابتسامة ابتسامة بلا ظل خوف
ابتسامة طفل أدرك أخيرا أنه في بيت لن يطرد منه.
مرت الشهور ومع كل يوم كان شيء يتغير
شيء في البيت شيء في البنات شيء في روح سامر نفسه.
تحولت الحضانة المؤقتة إلى تبن كامل.
ووقع الأوراق كمن يوقع على حياة جديدة لا قانونا فقط بل وعدا ممتدا من قلبه لقلوبهن.
لم يعد العمل محور حياته بل صار يدور حول الفتاتين
مدارسهما زيارات الطبيب الرسم الطعام الأحلام والسهرات الصغيرة قبل النوم.
كبر البيت not بالجدران لكن بالضحكات وبالرسومات على الثلاجة وبالألعاب المتناثرة وبالفوضى الجميلة التي تحمل روح حياة حقيقية.
لقد أنقذ سامر طفلتين من زقاق مظلم
لكن ما لم يتوقعه يوما
أنقذتاه من حياة بلا معنى.
من قلب فقد إحساسه.
من صمت كان يبتلعه ببطء.
فالأسرة أدرك الآن ليست دما فقط.
الأسرة قرار.
لحظة تقول فيها لنفسك
هكون هنا مهما حصل.
ورحمة يزرعها الله في قلبك لتبني ما تهدم داخلك دون أن تطلب.
وفي النهاية
لسنا دائما سامر أو لينا
لكن كل واحد فينا عنده اللحظة اللي ممكن فيها
يبقى عين ما تتجاهلش الألم
وإيد تمتد فتغير مصير حياة كاملة.
وهكذا لم يكن ما حدث مع سامر مصادفة ولا مجرد لقاء عابر في زقاق ضيق بل كان بابا فتح له ليعود إلى الحياة من جديد. فبين بكاء هالة الصغير وأنفاس أختها الضعيفة وحضوره الذي لم يتخل فيه عنهما لحظة وجد الرجل ذاته التي ضاعت منه منذ رحيل ليلى.
اكتشف أن القلب مهما تصدع يظل قادرا على أن يحيا إذا وجد من يستحقه. وأن الرحمة ليست ضعفا بل يد يمدها الله للإنسان ليصنع بها معنى جديدا.
وفي كل مرة ينظر سامر إلى الفتاتين وهما تضحكان في ممر البيت كان يعرف أن كل طرقه بكل وجعها وانكساراتها كانت تقوده إلى هنا إلى هذه اللحظة إلى هذه العائلة التي لم يخطر بباله يوما أنه سيحبها بهذا القدر.
لقد أنقذهما من الظل
لكنهما أنقذتاه من العتمة.
وبينهما تعلم أجمل حقيقة في
أن بعض الخسارات ليست نهاية بل بداية لقصة كان القلب ينتظرها دون أن يدري.