الوصيّة المخفيّة: حين قلبت رسالة واحدة إرث العائلة رأسًا على عقب
الوصية المخفية حين قلبت رسالة واحدة إرث العائلة رأسا على عقب
حين عادت آنا إلى بيت أمها لترافقها في أيامها الأخيرة كانت تتهيأ لاستقبال الحزن كما يستقبل ضيف ثقيل لا مفر من دخوله ولم تكن تتوقع أن يتقدم الخيانة عليه بخطوة. كانت تتخيل أن الفقد هو أسوأ ما يمكن أن تواجهه حتى جاء اليوم الذي حملت فيه الجنازة ما هو أثقل من الموت نفسه سر دفين محبوس تحت ألواح الأرض ينتظر اللحظة المناسبة لينقض على ما تبقى من حياتها.
كانت تلك العودة بداية شيء لم تدركه حينها. عودة إلى بيت غارق بالذكريات بكل ما فيه من ضحكات قديمة وبكاء خافت في منتصف الليل وروائح قهوة كانت تعدها أمها في الفجر لتبدد قلقها. بيت لم تكن تعلم أنه سيكشف لها أن الإرث ليس ممتلكات بل قصصا لم ترو وحقيقة قد تغير معنى الحب نفسه.
عندما توفيت أمها مارلين قبل ثلاثة أشهر لم تكن آنا تعلم أن الحزن سيصبح ظلا ثانيا لها يتبعها في الشوارع والمقاهي والمصاعد يسبقها أحيانا ويلحقها أحيانا أخرى لكنها لم تتوقع مطلقا أن يتسلل إلى قلبها إحساس آخر طعنة غير مرئية لها اسم واحد الخيانة.
كانت لحظة الاتصال هي اللحظة التي انقسمت فيها حياتها إلى نصفين. تركت مكتبها دون أن تطفئ شاشة الحاسوب حملت حقيبة
ستة أسابيع قضتها بجوار أمها كانت ستة أسابيع من الألم الصامت والحب العميق والمواجهة اليومية مع هشاشة الجسد البشري. لم تكن ممرضة فحسب بل كانت الذاكرة الأخيرة التي تشهد على حياة امرأة رفضت أن ترحل وحدها.
ساعدتها في فتح الرسائل ترتيب الفواتير تدقيق الملفات. كانت يدا مارلين ترتعشان كأن الكلمات باتت أثقل مما كانت وكانت آنا تراقبها بإحساس مركب من الحنان والخوف. لاحظت أكثر من مرة أنها تحدث وثائق لا تحتاج تحديثا وكانت تجيب برقة للاحتياط فقط. وكم كانت آنا تجهل حينها أن الاحتياط قد يخفي ما هو أكبر من الفواتير.
كانت بعض الأيام هادئة تتخللها كلمات قليلة وفي أيام أخرى تكتفي الأم بمراقبة حركة الريح على زجاج النافذة بينما تجلس آنا قربها تحاول ألا يفلت الوقت من بين يديها.
أما كيتلين الأخت التي كان يفترض بها أن تكون جزءا من هذه الأيام الأخيرة فقد حضرت مرتين فقط. في الأولى جاءت بفطيرة جاهزة لم تكلف نفسها حتى إزالة الملصق عنها وفي الثانية أخرجت صندوقا قديما من خزانة الممر
لم تتبادل مع أمها في الزيارتين إلا بضع نظرات عابرة وكأن الحضور كان عبئا أكبر من قدرتها على حمله.
وعند الباب قالت وهي تهرب عينيها بعيدا عن وجه آنا
لا أستطيع أن أراها هكذا يا آنا الموضوع صعب جدا. أنت أقوى مني.
كادت آنا تجيب إنه أصعب عليها هي لكن التعب كان قد استنزف صوتها. لا مجادلات لا تبريرات. فقط صمت ثقيل تتعلم معه أن الناس يعالجون الألم بعدد لا نهائي من الطرق بعضها شجاع وبعضها جبان وبعضها لا يسمى سوى الهروب.
بعد الجنازة عادت آنا إلى شيكاغو وهي تشعر كأن حبلا انقطع من يدها كأنها تطفو في فراغ بلا جاذبية. تجولت في شقتها مثل غريبة. الطعام المتروك في الثلاجة تحول إلى ما يشبه مختبرا ميكروبيا صغيرا الحليب تعفن والروائح كانت تذكرها بما لا تريد أن تتذكره. وقفت مرة تحدق في كيس قهوة غير مفتوح لا تذكر أنها اشترته.
وقفت أمام المرآة وهمست
تماسكي يا آنا أمك في سلام الآن وحان دورك لتجدي سلامك.
لكن السلام لم يأت.
تلك الليلة وصلها بريد إلكتروني من كيتلين. عنوانه بارد كأنه تقرير مصرفي وصية أمنا.
فتحت الرسالة بينما فنجان الشاي يبرد بجانبها.
وعندما ظهرت
كان كل شيءالمنزل المدخرات ممتلكات الأممسجلا باسم كيتلين وحدها.
آنا لم يظهر اسمها في أي صفحة ولا حتى في الهامش.
أعادت القراءة. مرة. مرتين. بحثت عن صفحة ناقصة عن ملحق. لا شيء.
اتصلت بكيتلين وصوتها يهتز
كايت هل هذا صحيح
نعم. أمنا أرادت أن يذهب كل شيء لي. أنت لديك حياتك عملك شقتك. هكذا أفضل لنا جميعا ألا تعتقدين
لم ترتجف نبرة صوتها. وكأن الأمر لا يعني شيئا.
وقفت آنا في الظلام تحاول أن تفهم.
هل رأت أمها أنها لا تستحق شيئا
هل كان كل ما فعلته بلا قيمة
لكنها كانت تعرف الحقيقة الأعمق
ذلك لم يكن فشلا أو تقصيرا.
ذلك كان حبا. حبا صنعته بيديها وهي تغسل شعر أمها فوق حوض صغير لأن الحوض الكبير صار خطرا عليها.
ومضت أسابيع تحاول فيها آنا أن تقنع نفسها بالتجاوز. ربما كانت أمها ترى أن كيتلين تحتاج المال أكثر. ربما ظنت أنها الأقوى. لكن حتى القوة حين ترهق تتشقق مثل زجاج مترقق.
وما إن وصلتها رسالة من صديقة قديمة في الحي تقول فيها
هل علمت البيت سيهدم. سيسوى بالأرض.
عندها فقط شعرت آنا أن الأرض نفسها تسحب من تحت قدميها.
كانت كلمة هدم
هل من الممكن أن تمحى