حين أسقطنا الماضي في البحر… وبدأنا نعيش من جديد
حين أسقطنا الماضي في البحر… وبدأنا نعيش من جديد
لم تكن سوى خادمة بسيطة جاءت من قرية بعيدة تحمل في قلبها قدراً من الصبر يكفي لعشرة أعمار، لكنها لم تتخيل يوماً أن يقف طفل في التاسعة من عمره أمام خمس نساء متأنقات، يشير إليها وحدها قائلاً بصوت مرتجف يفيض صدقاً:
"أنا أختارها… أختارها هي لتكون أمي."
في تلك اللحظة أدركت هيلينا سانتوس حقيقة لم تتعلمها في حياتها الفقيرة ولا في الكتب التي لم تمسّها يداها قط: أن قلب الطفل يرى بعين لا تخطئ، ويميز ما يعجز عنه الكبار مهما علت خبرتهم أو زادت ثرواتهم.
كان هذا اليوم أشبه بباب فتح فجأة على عاصفة. ففي الحديقة الخلفية للقصر، وقف ريكاردو ألميدا، الرجل الذي اعتاد أن يحسم صفقات بملايين الدولارات بجرّة قلم، عاجزاً أمام حياته الشخصية التي تنزلق من بين أصابعه يوماً بعد يوم.
عامان مرا منذ رحيل ماريانا زوجته، عامان ثقيلان تركاه خاوياً كقصر بلا نوافذ. كان يظن أنه يستطيع طيّ الصفحة القديمة بتدخل حاسم كما يفعل في عمله… لم يدرك أن قلوب الأطفال لا تُجبر بل تُفهم.
كان غابرييل، ابنه الوحيد، يلعب قرب المسبح محاولاً كما في كل يوم أن يصبح غير مرئي. يجلس على حافة الماء يكدس الحصى الصغيرة فوق بعضها كمن يبني
منذ رحيل ماريانا، صار الصبي يعيش كظلّ يتحرك بصمت، صوته خافت، خطواته مترددة، ونظرته معلّقة دائماً في مكان لا يراه أحد.
ناداه ريكاردو بصوت لم يعرف الحنان طريقه إليه:
"غابرييل… تعال إلى هنا حالاً."
رفع الصبي رأسه ببطء، وعيناه الخضراوان اللتان ورثهما عن أمه تشعّان بحزن لم يعد يشبه حزن الأطفال. اقترب منه في خطوات مثقلة، وكأنه يسير نحو قدر لم يختره.
جلس ريكاردو بجانبه محاولاً أن يبدو مطمئناً وهو يقول:
"ابني… أنت تعلم أنني أحبك، أليس كذلك؟"
هزّ الصبي رأسه فقط، دون كلمة.
تنفس ريكاردو بعمق كمن يستعد لمعركة، ثم قال:
"لهذا قررت أمراً مهماً… ستنال أماً جديدة."
توقفت يد الطفل عن العبث بالحصى، وكأن الزمن نفسه توقف.
رفع نظره فجأة وقال بصوت مرتجف:
"ماذا تعني؟"
قال ريكاردو بنبرة رجل يعلن قراراً نهائياً:
"اخترت خمس سيدات مناسبــات… سيأتين اليوم لتتعرف إليهن، وأنت… أنت من سيختار واحدة منهن لتكون أمك."
شحب وجه غابرييل دفعة واحدة.
قال مذهولاً:
"اليوم؟"
"نعم، اليوم… وهن على وشك الوصول."
نهض الصبي فجأة فسقطت الحصى من بين يديه كأنها الكلمات التي عجز عن قولها:
"لا أريد التعرف إلى
حاول ريكاردو السيطرة على الموقف كما اعتاد أن يفعل في اجتماعاته:
"ستتعرف إليهن. كلهن جميلات، مثقفات، وسيهتمن بك جيداً."
صرخ الطفل بانكسار:
"لا أحتاج إلى أحد يهتم بي!"
بدأ غضب ريكاردو يتصاعد، وكان يظن أن السلطة وحدها تكفي:
"غابرييل، هذا ليس خياراً. ستراهن وتختار واحدة منهن."
قال الصبي وهو يختنق بدموعه:
"لماذا؟ لقد كان لدي أم بالفعل… لكنها ماتت. أمي!"
تجمد ريكاردو للحظة، لكن كبرياءه دفعه ليقول ما ظن أنه الصواب:
"الحياة تستمر يا غابرييل."
رد الطفل بصوت ينزف ألماً:
"بالنسبة إليك تستمر… لكن بالنسبة إلي توقفت يوم رحلت."
ركض مبتعداً إلى عمق الحديقة، ولم تمضِ ثوانٍ حتى وصلت أصوات محركات السيارات إلى أذن ريكاردو.
لقد وصلن… خمس نساء يرتدين ثياباً تكاد تلمع من شدّة فخامتها.
وفي الداخل، كانت هيلينا تنظف زجاج الصالة حين رأت السيارات تتوقف أمام الباب الرئيسي.
دخلت كارمن بسرعة وقالت بصوت حازم:
"هيلينا… اليوم تبقين في منطقة الخدمة. لا تظهري أبداً للضيوف."
سألت هيلينا بقلق:
"ومن هؤلاء؟"
أجابت كارمن:
"سيدريكاردو أحضر خمس سيدات ليراهن غابرييل… يريد اختيار زوجة جديدة."
ارتجف قلب هيلينا.
فعلى مدى ستة أشهر، كانت هي الملاذ الوحيد لطفل فقد
سألت بخفوت:
"وكيف تقبّل غابرييل الأمر؟"
قالت كارمن:
"هرب… والسيد غاضب."
نظرت هيلينا إلى الخارج. كانت النساء ينزلن من السيارات كدمى مزخرفة، جمال مصطنع وثقة متعالية لا تعرف شيئاً عن طفل يختبئ الآن تحت شجرة يبكي أمه.
قالت لنفسها:
"مسكين يا غابرييل… ماذا تفعل الآن؟ هل تبكي؟ هل تخاف؟"
لم تستطع الوقوف مكتوفة اليدين.
قالت لكارمن:
"سأخرج لتفقّد الحديقة… ريّ النباتات يحتاج إلى متابعة."
نادتها كارمن:
"هيلينا! لا تذهبي!"
لكن الأوان كان قد فات، فقد دفعتها غريزتها… الأمومية التي لم تكتشفها إلا في هذا الطفل.
جابت الحديقة حتى وصلت إلى الجسر الخشبي الصغير فوق جدول الماء… وهناك وجدته.
كان جالساً على العشب يخبئ وجهه بين ذراعيه، صغيراً، هشاً، كأنه قطعة من العالم سقطت عن موضعها.
جلست إلى جانبه وقالت برفق:
"غابرييل… هل أنت بخير يا عزيزي؟"
رفع رأسه وعيناه تلمعان بخوف يذيب الحجر.
قال هامساً:
"خالتي هيلينا… لا أريد العودة إلى البيت."
اقتربت منه أكثر، وبصوت كالمسكن قالت:
"أخبرني… ماذا حدث؟"
تنهد الصبي كمن يحمل جبلاً فوق صدره:
"
كانت