حين أسقطنا الماضي في البحر… وبدأنا نعيش من جديد
تقولا كل ما لم يجرؤ على قوله طوال الأيام الماضية.
قال بصوت منخفض، صوت يشبه اعترافًا خرج من صدرٍ ظلّ طويلًا يخشى الاعتراف:
"كنت أعلم… أنك ستأتين إلى هنا."
ابتسمت ابتسامة صغيرة، أقرب لدهشة هادئة منها للفرح، ثم سألته:
"ومنذ متى تنتظر؟"
تنفّس بعمق، ونظر إلى الشارع البعيد كأنه يبحث عن شجاعة ضائعة:
"منذ اللحظة التي شعرت فيها… أنك لست مجرد ضيفة في هذا البيت."
سكتت، لكن قلبها لم يسكت. كان يخفق بطريقة تُربكها، طريقة لا تُشبه مشاعر العطف التي اعتادت أن تمنحها لمن حولها، ولا تشبه المسؤولية التي قادتها إلى هنا. هناك شيء آخر، شيء ينبت ببطء، كزرعة لم تكن تخطّط لها، ثم اكتشفت أنها في الحقيقة كانت تنتظر هذا الربيع منذ زمن.
اقترب خطوة، تلك الخطوة التي تختصر مسافة طويلة من التردّد والشك. كانت الشرفة ضيّقة، لكنها اتّسعت بما يكفي للحظة حقيقية.
قال بصوت أكثر وضوحًا:
"لقد غيّرتِ الكثير… ليس في الصبي فقط، بل
رفعت نظرها إليه، هذه المرة دون أن تهرب، وقالت:
"لم أفعل شيئًا سوى أن كنت هنا."
هزّ رأسه ببطء:
"بل فعلتِ الكثير. جعلتِ البيت يضيء من جديد. جعلتِ الصبي يبتسم… وجعلتِني أتذكّر أنّ الحياة… ليست سلسلة من الواجبات فقط."
سادت لحظة صمت. لكنها لم تكن لحظة مُحرِجة، بل لحظة تتجمع فيها الكلمات قبل أن تتحول إلى مصير. كانت تشعر بأن قلبها يسير نحو اتجاه لم تكن تتوقعه، لكنها لم تشأ أن توقفه.
قالت بتردد رقيق:
"وهل… هذا شيء تريده؟"
فجأة، بدا عليه ذلك الهدوء الذي يأتي قبل اعتراف كبير. نظر إليها طويلًا، نظرة لا تشبه نظراته السابقة، نظرة فيها امتنان ودهشة ورغبة في أن يبقى كل شيء كما هو… بل أجمل.
ثم قال:
"أنا لا أريدك أن تغادري."
شعرت بأن الأرض تهتز برفق تحت قدميها، ذلك الاهتزاز الذي لا يأتي من خوف، بل من الحقيقة حين تظهر فجأة أمامك بلا ستار. لم تتحدث، ربما لأن الكلمات لم تكن جاهزة بعد، أو لأن
أكمل هو، وكأنه يخشى أن تفسر صمته تفسيرًا آخر:
"أعرف أنني لست رجلًا سهلًا، وأعرف أن حياتي مليئة بما يكفي من الفوضى… لكن وجودك يغيّر كل شيء. حتى الألم يبدو مختلفًا… أقل حدّة. أقل وحدة."
قالت بصوت خافت:
"ولماذا تخبرني بهذا الآن؟"
اقترب خطوة أخرى، حتى باتت المسافة بينهما مجرد نفس.
"لأنني كنت أخشى… أن أقولها قبل أن تتأكدي أنّك لست هنا من أجل الصبي فقط. كنت أخشى أن أربكك… أو أضع على كتفيك حملًا آخر. لكن الآن… بعد ما رأيته، بعد كل ليلة اهتززتِ فيها لأجله، وكل صباح أعدتِ فيه الحياة إلى هذا البيت… فهمت شيئًا مهمًا."
سألته:
"وما هو؟"
قال بصدقٍ لا يرتجف:
"أن البيت لا يعود بيتًا… إلا عندما تكونين فيه."
لم تستطع منع الابتسامة التي تسلّلت رغماً عنها، تلك الابتسامة التي تكشف ما تحاول الكلمات إخفاءه. مدت يدها تمسح على حافة السور الحجري، محاولة أن تجد شيئًا تثبّت به نفسها…
قالت بصوت يشبه الاعتراف:
"وأنا… لم أشعر منذ زمن أنني أنتمي إلى مكان. لكن هنا… معكما… أشعر بشيء يشبه… العودة."
اقترب منها أكثر، وقال:
"عودة إلى ماذا؟"
أجابت همسًا:
"إلى نفسي."
تلاقت عيناهما، تلك اللحظة التي يذوب فيها الخوف ويتحوّل إلى يقين. لم تكن بحاجة إلى أن تقول أكثر، ولم يكن هو بحاجة إلى أن يسمع أكثر. كانت اللحظة كافية لتُعلن بداية شيء لم يسعيا إليه… لكنه وجد طريقه إليهما.
رفع يده ببطء، كأنه يستأذن الهواء. وما إن لمسها، حتى شعرت بأن كل ما كان مكسورًا فيها… بدأ يلتئم.
قال برقة:
"هل ستبقين؟"
أجابت دون تردد، ودون خوف:
"سأبقى… ما دام القلب يقول ذلك."
وفي تلك الليلة، تحت سماءٍ هادئة ومدينةٍ أطفأت أضواءها لتُصغي، وطفلٍ نائم يحلم ببيت عاد إليه… اتخذ الحب أول خطوة له في هذا البيت. خطوة ستكبر، وتتجذر، وتحوّل الأيام القادمة إلى ما يشبه حياة جديدة…