صرخة لا يسمعها أحد إلا ابنها: قصة نجاة كسرت قوانين الطب
المحتويات
اعتاد الشقاء في مواقع البناء لكن ما أصابه في الأيام الثلاثة الماضية حوله إلى ظل منهك.
رحيل زوجته لورا المفاجئ الذي قال الأطباء إنه توقف قلبي حاد أثناء النوم كسر شيئا عميقا فيه شيئا لم يعرف كيف يرممه.
انحنى مايكل نحو طفله بصوت بالكاد يخرج من حنجرته
إيثان أعلم أن الأمر موجع. لكنها رحلت يا بني. أمك تستريح الآن.
لكن الطفل هز رأسه بعنف والدموع تنحدر على وجهه الصغير كأنه يقاتل شيئا غير مرئي
لا! لا! سمعتها! كانت تناديني عندما أنزلوا التابوت! أرجوك يا أبي أرجوك!
ساد ارتباك غير مريح بين الواقفين.
موظف الجنازة الذي كان يستعد لمغادرة المكان توقف متجمدا وهو يرى الذعر في عيني الطفل الصغير.
ورغم محاولاته المتكررة لتهدئته شعر مايكل بشيء زاحف يتسلل إلى صدره.
لم يكن بكاء إيثان مجرد صراخ طفل فقد أمه بل كان يشبه يقينا حادا يقينا لا مكان له في عالم المنطق.
وفجأة تسللت إلى ذاكرة مايكل لحظة عابرة من ذلك اليوم المشؤوم.
عندما ودع لورا للمرة الأخيرة في دار الجنازة ووضع يده على يدها الباردة لم يشعر برودة كاملة.
شعر بحرارة خفيفة غريبة أربكته للحظة حتى طمأنه الموظف قائلا إن الأمر شائع بعد التحنيط نتيجة تغيرات حرارية بسيطة.
لكن الآن ومع انهيار إيثان بين يديه وهو يهمس
إنها تناديني إنها هناك يا أبي
شعر مايكل بأن روحه تهتز كمن يقف على حافة
ابتلع ريقه بصعوبة ثم استدار نحو حارس المقبرة قائلا بصوت خافت لكنه ثابت
أحتاج إلى الأدوات.
ارتبك الحارس ورفع يديه كمن يصد عاصفة
سيدي هذا ممنوع تماما. لا يمكن
قاطعه مايكل بصوت انفجر من أعماقه
أحضر لي المجرفة! الآن!
تبادل الحاضرون نظرات قلقة وتقدم بعضهم لمحاولة تهدئته لكن إصراره كان مرعبا بقدر ما كان حقيقيا.
وبعد نقاش طويل مشحون بالتوتر والخوف من أن يفقد الرجل صوابه وافق الحارس على مضض وقد رأى في انهيار الأب والابن شيئا أكبر من القوانين.
وخلال دقائق قليلة ومع انتشار الخبر داخل المقبرة وخارجها عاد عدد من المشيعين الذين كانوا غادروا منذ قليل.
بدأوا يتجمعون حول القبر يتهامسون بعضهم خائف وبعضهم مشدود بفضول ثقيل.
تحت ضوء الشمس الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة انحنى مايكل وإيثان ومعهما عاملان من المقبرة وبدأوا الحفر.
كانت أصوات المجارف تخترق الصمت كطعنات في صدر الزمن وكل رفعة من التراب كانت تجعل قلب مايكل يقفز في مكانه.
بين لحظة وأخرى كان يتساءل في داخله
هل فقد عقله
هل يستجيب لوساوس طفل محطم
هل سيجر بذلك جرحا جديدا فوق جرح
لكن شيئا داخله شيئا غامضا أشبه بنداء خافت كان يدفعه للاستمرار.
وعندما ارتطمت المجرفة بخشب التابوت ارتعشت الأرض تحت قدميه.
أمسك إيثان بيده وضغط عليها بقوة وقال بصوت أصبح ثابتا بشكل غريب
قلت
ركع مايكل على ركبتيه ويداه ترتجفان بينما تقدم العاملان لفتح الغطاء.
وتجمد الهواء.
توقفت الهمسات.
وشعر الجميع بأن اللحظة التي تقترب تحمل شيئا لا يستطيعون تحمله.
وببطء شديد انفتح التابوت.
كانت لحظة صمت ثقيل كأن العالم حبس أنفاسه.
ثم
صدر صوت مكتوم.
لم يكن أنينا.
لم يكن صرخة.
بل ضربة خفيفة ضربة تأتي من الداخل.
ارتفعت شهقات الرعب وتراجعت بعض النساء خطوتين إلى الخلف.
تجمد مايكل كأنه قطعة حجر.
ثم رفع الغطاء بأكمله
والتقت عيناه بعيني لورا.
وجهها كان شاحبا كالرماد لكن عينيها كانتا مفتوحتين.
حدق مايكل في عيني زوجته طويلا غير قادر على استيعاب ما يراه.
لم يكن ما شاهده مجرد صدفة ولا كابوسا من تلك التي يولدها الحزن كان حقيقة ترتجف أمامه داخل التابوت.
كانت لورا ممددة في الظلام وجهها باهت شفتيها متشققتين وأصابعها مغطاة بخطوط دم رفيعة كأنها نحتت خشب التابوت بأظافرها حتى آخر نبضة رجاء.
تمتم حارس المقبرة بصوت مرتجف
يا إلهي إنها تتحرك!
وبينما كانت عيون الجميع معلقة بالجسد الذي عاد إلى الحياة مد إيثان يده نحو أمه وكأن شيئا خفيا كان يعيده إلى حضنها رغم الفاصل المرعب الذي كاد يبتلعها.
وفجأة ارتجفت أصابع لورا تحركت حركة خافتة ضعيفة لكنها كافية لهدم الجدار الفاصل بين الحي والميت.
صرخ مايكل
اتصلوا بالإسعاف! فورا!
وهكذا خلال دقائق قليلة تحولت المقبرة إلى ساحة فوضى.
سيارة الإسعاف اخترقت بوابة المقبرة بأضوائها الحمراء والناس تفرقوا ليفسحوا الطريق.
حمل المسعفون لورا بعناية من داخل التابوت نحيلة مرتجفة ومنهكة كما لو خرجت من عالم آخر.
كان نبضها ضعيفا لكنه موجود.
وكان تنفسها خافتا لكنه مستمر.
صرخ أحد المسعفين
هي حية! النبض موجود!
تحول الصمت إلى ضجيج.
شيهقات تكبيرات بكاء أصوات تختلط بارتعاش الأرض تحت عجلات الإسعاف التي اندفعت باتجاه بوابة المقبرة.
أما مايكل فضم ابنه بقوة وبكاؤه كان يشبه انكسار صخرة ظلت صامتة لسنوات.
في مستشفى مابل وود العام وقف الأطباء حول سرير لورا
يتناوبون على فحصها بوجه بين الشك والذهول.
وبعد ساعات طويلة من الاختبارات دخلت الطبيبة هيلين غرانت الطبيبة ذاتها التي أعلنت وفاة لورا وهي ترتجف كأنها أجبرت على مواجهة خطيئة لا تغتفر.
قالت بصوت غارق في الندم
لم يكن يفترض أن يحدث هذا كل المؤشرات كل القراءات كانت تشير إلى موت سريري كامل. لا نبض لا نشاط دماغي لا تنفس يمكن قياسه.
أجابها مايكل وصوته أشبه بحد سكين
ومع ذلك دفنتم زوجتي حية.
خفضت الطبيبة رأسها
الحالة التي أصيبت بها زوجتك تسمى الكتالبسيا. نادرة للغاية تجعل الجسد يدخل في شلل كامل حتى الأجهزة تفشل أحيانا في التقاط أي إشارة حياة.
كان يمكن للورا أن تكون ذكرى مؤلمة
مكثت لورا يومين
متابعة القراءة