يوم تخرّجي تركوني وحدي بعده بثلاثة أيام بلّغوا عني الشرطة
ثم جاء الطرق.
لكن هذا الطرق لم يكن كسابقه.
لم يكن صلبًا… واثقًا.
بل خافتًا… هشًّا… يائسًا، كأنه يأتي من يد ترتجف.
التفتنا نحن الثلاثة، كما لو أننا جسم واحد.
"من هناك؟"
خرج صوتي مليئًا بالقلق أكثر مما توقعت.
تقدم الشرطي الأصغر وفتح الباب بحذر… ببطء محسوب، كأن وراء الباب احتمالًا خطيرًا.
وهناك…
كانت أيفري.
أختي.
لكنها لم تكن كما عهدتها. كانت شاحبة إلى درجة بدت معها كظل شخص. شفاهها ترتجف. عيناها حمراوان منتفختان، وكأنها لم تنم منذ أيام… أو بكت طوال الليل.
"كاميلا…"
كان صوتها مكسورًا، منكمشًا، مثل ورقة تعرضت للماء.
"لازم تيجي معنا… ماما… ماما عم تحكي أشياء
تقدمت خطوة، ثم نظرت حول الشقة بعينين مذعورتين، وكأنها ترى المكان لأول مرة.
"عم تقول إنك ما عمرك سكنتِ هون. وإن هاي الشقة…"
وأشارت بيد ترتجف بشدة:
"إلها هي. وإنك… مش موجودة."
شعرت بالأرض تميل. حرفيًا… تميل.
"شو؟"
خرجت مني هامسة، كأنها الكلمة الوحيدة المتبقية في لغتي.
تابعت أيفري، وصوتها ينكسر مع كل حرف:
"عم تقول إنه كان عندها بنت وحدة… أنا. وإنك كنتِ مرحلة. نسخة. شيء اختفى من سنين."
كان الشرطيان واقفين بلا كلمة… كأنهما تحوّلا إلى تمثالين.
أما أنا… فكأن الدم توقف عن الدوران في عروقي.
مدت أيفري يدها لتأخذ يدي، كعادتها عندما نشعر بالخوف.
لكن ما
سحبت يدها بسرعة.
حدقت بي بالرعب ذاته الذي كان يعصف بقلبي.
"كاميلا…"
همست.
"ليش… ليش إيدك باردة؟
باردة كتير… مو طبيعي."
تراجع الشرطيان خطوة غريزية… كأن شيئًا غير مفهوم دفعهما إلى الوراء.
أما أنا، فقد تقدمت خطوتين… غير واعيتين.
لم أشعر برجلي.
كأنهما تتحركان وحدهما… أو كأن الأرض لم تعد تتعرف على وزني.
"أيفري…"
قلت، ثم خرج صوتي مبحوحًا بالكاد يُسمع:
"أكيد أنا موجودة.
أنا… هنا."
في اللحظة نفسها…
أضاء مصباح السقف.
فقط مرة.
وميض قصير.
لكنه كان كافيًا.
الشرطيان مدّا أيديهما إلى أحزمتهما فورًا.
ولوهلة بدا كل شيء بطيئًا… كأن الزمن تعثر.
ثم قال الشرطي الأطول بصوت لم أحمله يومًا على محمل الخوف كما حملته تلك اللحظة:
"الآنسة ريد…
كاميراتنا لا تلتقط وجهك."
لم أفهم.
أو ربما فهمت… لكن رفضت.
تابع، وصوته يهوي علي كحجر:
"ولا نرى ظلك.
ولا حتى صورتك في الشاشة.
الكاميرا تسجل… فراغًا."
شعرت بأن جسمي يفر مني.
التفتُّ وراءي، في اللحظة نفسها التي سقطت فيها شهادة التخرج المغلفة بالبلاستيك على الأرض.
سقطت بثقل غير مبرر…
بصوت مكتوم…
كأنه سقوط شيء آخر غير الشهادة.
وفي تلك الشقة… في ذلك الصمت الموحش… أدركت شيئًا لم يخطر ببالي طوال حياتي:
أن الشيء الوحيد الذي لم أمتلكه
لم يكن الحب.
ولا الأمان.
ولا العائلة.
كان شيئًا أعمق…
مكانٌ حقيقي…
يمكنني أن أسميه: نفسي.