ضحكوا حين قلتُ إن أمي في القوّات الخاصة حتى لحظة انخلع الباب وتقدّمت هي

لمحة نيوز

بالتحرك.
واختفوا من الغرفة سريعا وأصوات خطواتهم تبتعد في الممر.
بعد ساعة تقريبا جاء تصريح الخروج. انتقلنا إلى الصالة الرياضية. جلسنا في المدرجات نرتجف بينما تتطاير الشائعات
تهديد عبر الإنترنت.
اعتقدوا أن شيئا خطيرا وصل إلى المدرسة.
وضع حقيقي.
كنت لا أعرف التفاصيل. كل ما عرفته أن أمي التي تعمل في اللوجستيات كانت تقود الفريق الذي جاء ليحمينا.
كان الطلاب ينظرون إلي وكأنني شخص جديد.
قالت سارة همسا هل كانت حقا أمك
أومأت.
وتعمل معهم
أومأت مرة أخرى.
كان جايسون يسمعنا. ثم قال بخجل
كنت أظنك تكذبين.
قلت بهدوء أعرف.
قال أنا آسف.
جاءت المعلمة غيبل وركعت لتكون في مستوى وجهي. لم تكن أنيقة هذه المرة. بل كانت منهارة.
قالت إيميلي بخصوص الأمس. أنا مدينة لك باعتذار. لم يكن ينبغي أن أضحك. لم يكن ينبغي أن أشك. أنا لم أفهم.
قلت تلقائيا لا بأس.
لكنها قالت ليس بخير. لكنني سأحاول إصلاحه. من الآن.
ثم رحلت.
وبعد دقائق دخلت أمي. بزي مختلف ووجه خال من الطلاء. تبدو أقل شبها ببطل فيلم وأكثر شبها بأمي.
أقبل الأهالي يشكرون الضباط وأمي تهز رأسها بتواضع.
وعندما التقت عيناها بعيني استقر شيء كان مضطربا في صدري.
لم أعد أشعر بالحرج.
شعرت بالثبات.
في المساء جلسنا معا نشرب الشوكولاتة الساخنة.
سألتها
هل أنت غاضبة لأنني قلت لهم
فكرت قليلا.
قالت كنت أتمنى لو التزمت بما قلته لك. ليس لأنني أخجل مما أفعل بل لأن بعض جوانب عملي أكثر أمانا حين تبقى صامتة.
ثم أمسكت يدي.
وقالت لكن اليوم سواء عرفوا أو لم يعرفوا كنت سأأتي. كنت سأفعل الشيء نفسه. هذا عملي. وهذا وعدي.
سألتها ماذا حدث فعليا
ابتسمت بحزن هذا الجزء مصنف. المهم أن هناك تهديدا حقيقيا وانتهى اليوم بخروج الجميع سالمين. وهذا ما يعد يوما جيدا في عالمي.
هززت رأسي ببطء.
قلت هل رأيت وجوههم الذين ضحكوا
قالت لم أكن أنظر إليهم. كنت أنظر إلى المخارج الزوايا المخاطر وإليك.
ثم قالت
إن كنت تسألين عما إذا كان عليك إثبات شيء لهم بعد اليوم فالجواب لا. لم يكن عليك من قبل أصلا.
تأملت أمي طويلا
المرأة التي تصحو قبل الشمس لتعد لي الفطائر كل سبت المرأة التي تطفئ الأنوار وتشاهد الأفلام معنا ثم تغفو في منتصفها المرأة التي لا تعترف يوما بأنها متعبة
هي نفسها القائدة التي يدخل فريقها الأماكن التي يهرب منها الآخرون.
حاولت أن أستوعب ذلك التناقض كيف يمكن لشخص أن يكون أما وصديقة ودرعا وفي الوقت نفسه مقاتلة هادئة تعرف كيف تتصرف حين ينهار كل شيء حولها
سألتها بعد صمت طويل هل أنت فخورة بعملك
لم تتردد لحظة نعم.
ثم تابعت
ليس بسبب العتاد ولا التدريب.
بل لأننا في أسوأ يوم في حياة أحدهم نحضر. بهدوء. بانضباط. ونفعل ما يجب فعله حتى لو لم يرنا أحد وحتى لو لم يذكرنا أحد.
كانت كلماتها تسقط داخلي كحجارة صغيرة تحدث دوائر متتابعة في بحيرة ساكنة.
ثم نظرت إلي نظرة أم تعرف الوجع الذي خلفه اليوم في قلب ابنتها. لم تكن فيها بطولة بل صدق كامل يشبه اعتذارا دون أن تنطق به.
قالت
وأنت اليوم فعلت شيئا مهما أيضا. بقيت هادئة. اتبعت التعليمات. راقبت. لم تنهاري. وهذا أهم بكثير مما تعتقدين.
أطرقت برأسي وقد عاد صوت الأمس يرن في أذني
كاذبة كاذبة
فسألتها بصوت خفيض
هل سيستمرون بالسخرية
ابتسمت ابتسامة فيها حكمة أكثر من التفاؤل
ربما. الأطفال أطفال. بعضهم سيتظاهر بأن شيئا لم يتغير لأن قبول الحقيقة أصعب من السخرية. بعضهم سيتقرب فجأة لأن الناس يحبون التقرب ممن لمسوا القوة. وبعضهم سيشعر بالذنب لكنه لن يعرف كيف يعتذر وسيهرب من الأمر بدل أن يواجهه.
ثم قالت
لكن أنت الآن رأيت شيئا لم يره غيرك. رأيت الشجاعة الحقيقية دون مؤثرات. رأيت فريقا يعرف أن كل خطوة قد تغير مصيرا. هذه معرفة لا تشترى وتمنحك شيئا أهم من الرد على السخرية. تمنحك فهما لا يملكه غيرك. فدعيها تجعلك أطيب لا أعلى صوتا.
ومع مرور الأسابيع تغير كل شيء في المدرسة.
لم يعد الهمس حولي يعني
إنها تكذب.
بل أصبح أمها كانت القائدة.
هل رأيت كيف دخلوا الغرفة كانت في المقدمة.
لم ترتجف. لم تتردد.
لم يصبحوا فجأة أصدقائي ولم تتحول المدرسة إلى جنة لكن شيئا عميقا تغير
لم يعد أحد يشك في كلمتي.
ولم أعد مضطرة لأشرح نفسي.
أما أنا فقد توقفت عن تمني أن تكون أمي عادية.
العاديون لا يقتحمون غرفا لحماية الغرباء.
العاديون لا يعودون للبيت بعد أزمة ويعدون العشاء كأن العالم لم ينهر.
العاديون لا يحملون صمتا أثقل من الحكايات.
ظللت أقول للآخرين إن عملها لوجستيات.
غطاء بسيط يحمل عالما كاملا تحته.
لكن في دفتري كتبت شيئا آخر لا يراه سوى أنا وهي
أمي هي الشخص الذي يدخل الأماكن التي يفر منها الجميع. لن تتفاخر يوما. ولن تطلب تصديقا. لكنها حين انخلع الباب من مفصلاته كانت أول من تحرك.
هذه هي أمي. وهذا يكفيني.
وأدركت شيئا مهما
أحيانا حين يسخر أحدهم مما تقولينه فذلك لأنه عاجز عن تخيل عالم أكبر من عالمه الصغير.
وأحيانا يمنحك القدر لحظة ينفجر فيها ذلك العالم أمامه ويضطر لأن يصدق لا لأنك أقنعته بل لأن الحقيقة صارت أكبر من إنكاره.
وإن سألني أحدهم مرة أخرى
ماذا تعمل والدتك
سأبتسم ابتسامة تعرف أكثر مما تقول وأجيب
لوجستيات.
ثم أهمس داخلي
النوع من اللوجستيات الذي يقتلع الأبواب من مفصلاتها ويؤمن
الممرات ويثبت أن القوة الحقيقية لا تحتاج إذنا ولا تصفيقا كي ترى يكفي أن تكون.

تم نسخ الرابط