لم تردّ إبنتي على رسائلي لمدة أسبوع كامل

لمحة نيوز

لم ترد إبنتي على رسائلي لمدة أسبوع كامل فقررت أن أقود سيارتي إلى منزلها. أصر زوجها على أنها في رحلة. كدت أصدقه إلى أن سمعت أنينا مكتوما صادرا من المرآب المغلق.
لم تكن الأيام السبعة التي مضت مجرد أسبوع عابر في تقويم حياتي كانت امتحانا قاسيا للأمومة وجرحا مفتوحا ظل ينزف داخلي بصمت. ابنتي إيميلي هارت لم ترد على رسائلي ولم تعاود الاتصال ولم ترسل حتى تلك الإيماءة الصغيرة التي اعتادت أن تطمئنني بها مهما انشغلت. في البداية حاولت أن أكون أما عقلانية تقنع نفسها بأن ابنتها غارقة في عملها كعادتها منذ انتقلت لبورتلاند لتبدأ تلك الوظيفة المرهقة في شركة التسويق. كنت أعلم تمام العلم قدرة العمل على ابتلاعها لكن ما لم أصدقه وما رفضت روحي تقبله هو ذلك الصمت الذي صار يضغط على صدري كحجر.
وفي اليوم السادس بدا الخوف كائنا حيا يتحرك داخلي يكبر ويزحف حتى صرت أستيقظ على رعشة مفاجئة دون سبب. وفي اليوم السابع لم أعد قادرة على الانتظار. خرجت من البيت كمن يهرب من نبوءة سوداء. لم أحزم حقيبة لم أغلق النوافذ لم أراجع قائمة الأشياء التي يأخذها المرء في سفره فقط أمسكت المفاتيح وانطلقت في الطريق الطويل نحو منزل إيميلي.
كانت المسافة التي تمتد لثلاث ساعات تبدو بلا نهاية. شعرت كلما اقتربت من منزلها بأن قلبي يتباطأ

في صدره كأنه يستعد لخبر لا يحتمله. وعندما وصلت أخيرا طرقت الباب بقوة لم أعهدها في يدي.
فتح رايان الباب زوجها وارتسمت على وجهه دهشة خاطفة دهشة لم أدرك معناها إلا لاحقا. ابتسم ابتسامة نظيفة جدا ناعمة جدا كأنها صنعت خصيصا لإخفاء شيء ما واستند بكتفه إلى إطار الباب قائلا
إيميلي خرجت في رحلة قصيرة. شيء طارئ في اللحظة الأخيرة.
لم أجب. شيء في عينيه كان يبتعد عني يهرب يرفض أن يثبت. لا أعرف كيف لكنني أدركت أن هذه الابتسامة ليست ابتسامة ترحيب بل جدار.
سألته بهدوء مصطنع
وإلى أين ذهبت
رفع كتفيه بطريقة مبالغ في بساطتها ثم قال
رحلة إلى الساحل مع بعض زملاء العمل.
ترددت الكلمات في أذني كما لو كانت خارجة من بئر عميق. كدت أصدقه كدت فقط لكنني لم أستطع. لم يكن الأمر منطقيا لا مع شخص مثل إيميلي ولا مع ذلك الارتباك الذي لمع في وجهه قبل أن يخفيه.
قلت له إنني نسيت هدية صغيرة في السيارة واستدرت مبتعدة. وفي اللحظة التي لامس فيها حذائي آخر درجة من درجات الشرفة سمعت الصوت.
كان أنينا.
صوتا خافتا مكتوما مكسورا في نهايته يأتي من جهة المرآب المغلق.
تجمدت. شعرت كأن الدم توقف عن الجريان في جسدي وكأن الهواء امتلأ برائحة الخطر. حاولت أن أقنع نفسي بأنه صوت آلة أو ريح محبوسة لكن قلبي قلب الأم الذي لا يخون عرفه.
هذا الأنين أعرفه عشت معه سنوات طفولة إيميلي حين كانت تمرض وتبكي خافتة كي لا تقلقني. حتى الألم له موسيقى وموسيقى ابنتي لا تنسى.
تسللت حول المنزل متظاهرة بفحص هاتفي. وعندما وصلت إلى باب الخدمة الضيق للمرآب وضعت يدي على المقبض. كان مغلقا بإحكام. ثم عاد الصوت أضعف أعمق أقرب إلى البكاء المكبوت.
وضعت أذني على الخشب وهمست
إيميلي
جاءني صوت ارتطام خفيف على الأرض ثم أنين آخر هزيل مليء بالرجاء.
ارتجفت ركبتاي حتى ظننت أنني سأسقط. تراجعت بسرعة خائفة من أن يظهر رايان فجأة وقلبي يخفق كطبول الحرب. كانت كل خلية في جسدي تصرخ
هناك شيء رهيب شيء لا يغتفر شيء يحدث لابنتك خلف هذا الباب.
عدت إلى المنزل بخطوات محسوبة أحاول السيطرة على أنفاسي أحاول أن أخفي الزلزال الذي يهز داخلي. وعندما لامست يدي مقبض الباب الأمامي أدركت الحقيقة التي لم أكن مستعدة لها لم يكن لدي أي فكرة عما ينتظرني داخل هذا البيت ولا عما قد يفعله رايان إن اكتشف أنني سمعت.
دخلت. كان يقف في المطبخ يمسح سطح المنضدة بمنشفة بيضاء نظيفة أكثر مما ينبغي. نظرة واحدة منه كانت كافية لأفهم أنه يراقب كل حركة أقوم بها.
قلت
أحتاج بعض الماء.
أومأ لكن انقباض كتفيه وارتفاع صدره القلق وطريقة متوتره في تثبيت عينيه علي كانت كلها تخبرني بأنه يشعر بشيء.
وبينما
كان يدير ظهره ليملأ الكوب أخذت أتفحص الغرفة. هناك على الطاولة شاحن هاتف ثان أعرفه جيدا. شاحن إيميلي. وعلى الخطاف قرب المخزن مفاتيح سيارتها. وعلى الكرسي سترتها الجينز المفضلة.
كيف تغادر في رحلة مفاجئة دون كل هذا
وضعت الكوب جانبا قبل أن يلاحظ أن يدي بدأت ترتجف. شعرت بأن الوقت ينفد وأن كل ثانية تمضي تسحب من روح ابنتي شيئا.
قلت له سؤالا عابرا
متى غادرت
أجاب بسرعة أسرع مما ينبغي
ليلة الثلاثاء متأخرة.
لكنني تحدثت معها صباح الأربعاء.
ابتسمت له ابتسامة لا تسكنها الروح. وداخل صدري كانت النار تشتعل.
وقبل أن أفكر في خطوتي التالية سمعت وقع خطواته يعود نحوي. وخبأت هاتفي بسرعة. وقف في المدخل يحدق في كمن يقرأ أفكاري.
قال بصوت منخفض
كل شيء بخير
أجبته
نعم فقط متعبة.
لكن عينيه لم تصدقاني.
ثم لمحته ينظر نحو الممر المؤدي إلى المرآب نظرة سريعة خاطفة لكنها كانت كافية لتكشف خوفه لا خوفي أنا بل خوفه هو.
خوفه من أن أعرف.
وفي تلك اللحظة أدركت أن البقاء هنا يعني الهلاك.
كنت أدرك تماما وأنا أقف أمامه في ذلك الممر الضيق أن خطوة واحدة خاطئة قد تطيح بكل شيء. لم أكن بطلة فيلم ولم أكن امرأة تجيد المناورات كنت أما تحاول أن تنقذ ابنتها من ظلام لا تعرف عمقه. لذلك تماسكت وقلت له بجفاف مدروس
سأنزل إلى السيارة تركت
شيئا هناك.
لم يصر على مرافقتي لكنه ظل
تم نسخ الرابط