لم تردّ إبنتي على رسائلي لمدة أسبوع كامل
واقفا عند الباب يراقبني وعيناه تلاحقان خطواتي حتى ابتعدت. وعندما سرت في الطريق الخارجي لم أستطع أن أمنع نفسي من الإسراع كأن الأرض نفسها تدفعني بعيدا عنه.
ما إن جلست في المقعد وأغلقت الباب حتى شعرت بأنفاسي تعود إلي متقطعة مرتعشة. فتحت هاتفي وبدون أي تفكير ضغطت الرقم الذي كنت أخشاه منذ دقائق فقط. رسالة قصيرة لكنها كانت أثقل ما كتبت في حياتي
حالة خطر أسري محتملة. أعتقد أن ابنتي محتجزة داخل المرآب. أرسلوا المساعدة فورا.
ضغطت إرسال بيد ترتجف. شعرت حينها بأنني سلمت قلبي كله لجهاز صغير بين أصابعي.
مرت الدقائق التالية كأنها ساعات. كنت أتابع المنزل بعينين لا ترمشان كأنني أخشى أن يتحول فجأة إلى دوامة تبتلع الحقيقة كاملة. كنت أخشى أن يخرج رايان أو أن يدخل. أخشى أن يقرر فجأة أن ينقلها من مكانها. أو أن ينهي الأمر كله.
ثمأخيراظهر ضوء أزرق خافت من آخر الشارع. لم يكن الصوت واضحا بعد لكنه كان كافيا لتجعل روحي تستقيم من جديد.
لم يكن لدي أدنى فكرة إن كان رايان قد سمع شيئا
رفعت يدي لأحدهم وشرحت كل شيء الصوت الأنين التفاصيل الصغيرة التي كشفت كذبه كل كلمة خرجت مني كانت أشبه بوزن يوضع فوق صدره. رأيته يزداد قلقا مع كل حرف أنطقه. كأن الحقيقة التي حاول طمسها بدأت تنقلب عليه.
بينما كان أحد الضباط يقيده على الشرفة توجه آخرون نحو المرآب. جربوا باب الخدمة مغلق. ثم
بضربة قوية انكسر الباب.
لم يمض أكثر من لحظة حتى خرج صوت صوت لن يخرج من ذاكرتي ما حييت.
كان صوتها.
صوت إيميلي مرتجفا يختلط فيه البكاء بالانهيار بالرجاء وبالألم الذي لم أكن أتخيل أن ابنتي قد تعيشه يوما.
حاولت أن أجري نحوها لكن أحد الضباط أمسك بذراعي ليحميني. نظرت إليه بعينين محمرتين من القلق فقال
دقيقة واحدة فقط دعينا نؤمن المكان.
وددت أن أصرخ أن أدفعه لكن شيئا
وبعد لحظات قصيرة بدت دهورا خرجوا بها.
كانت إيميلي بين ذراعي ترتجف كمن يعود من عالم آخر. جسدها نحيل ملابسها متربة وعيناها حمراوان من كثرة البكاء. لكنها حية. حية تماما. ولأول مرة منذ أسبوع كامل تنفست روحي من جديد.
احتضنتها بقوة قوة جعلت ضلوعي تؤلمني. وهي لم تقل شيئا لم تنطق كلمة واحدة سوى
ماما سامحيني سامحيني.
أمسكت وجهها بكلتا يدي وقلت لها
لا ذنب لك ولا شيء تطلبين الصفح عنه. أنت الآن معي ولن يمسك سوء بعد اليوم.
نقلت إلى المستشفى ورافقتها طوال الطريق. كانت تمسك يدي كما لو كانت تخشى أن تتلاشى في الهواء إذا تركتني للحظة. كانت تعتذر بين حين وآخر وكنت أكرر لها أن الذنب ليس ذنبها وأن الخوف الذي عاشت فيه ليس اختيارا وأنها لن تعود أبدا إلى أي مكان يشبه هذا الظلام.
في الأيام التالية بينما كان المحققون يجمعون خيوط الدافع البغيض وراء فعلته عادت إيميلي للعيش معي. كان البيت هادئا لكنه صار يشبه ملاذا صغيرا بعد أن كان مجرد جدران
كنت أجلس قربها كل ليلة ألمس شعرها وأحدثها عما سنفعله غدا وعن الأيام التي تنتظرها بعيدا عن الألم. شيئا فشيئا كانت الحياة تعود إلى وجهها إلى عينيها إلى صوتها الذي بدأ يكتسب قواه من جديد.
وفي كل ليلة حين تنام كنت أذهب إلى غرفتي أطفئ الضوء وأفكر بأن تلك الغريزة التي يسميها الناس حدس الأم لم تكن مجرد شعور كانت إنذارا سماويا. كانت خيطا بيني وبين ابنتي خيطا أقوى من الخوف وأصدق من الكلمات.
وكنت أردد بيني وبين نفسي
عندما يهمس لك قلبك أنصت.
وعندما يصرخ تحرك.
حتى لو كنت خائفا.
بل خصوصا عندما تكون خائفا.
وفي آخر ليلة من محنتنا كانت إيميلي نائمة بعمق إلى جواري وأصابعها الصغيرة متشابكة مع يدي. نظرت إليها طويلا ثم أغمضت عيني وابتسمت ابتسامة هادئة ابتسامة أم انتزعت ابنتها من الظلام وأعادتها إلى الحياة.
وهناك أدركت شيئا واحدا
الخوف لا يمنعنا من الإنقاذ.
الشك هو الذي يفعل.
وأنا لم أشك في قلبي ولو للحظة.