زوجي لم يكن يعرف اني اقرا رسائله
الذي امتلأ تدريجيا من عملي الحر
شهاداتي التي اكتسبتها بصبر
مسودة مشروع صغير أحلم أن أبدأه
صفحات طويلة كتبت فيها رحلتي مع نفسي
أغلقت الملف بعد أن أضفت إليه سطرا واحدا فقط
اليوم أنا جاهزة.
عاد هو من عمله في المساء ودخل البيت بصمت غير معتاد.
كان يتفحص كل تفصيلة كأنه يبحث عن شيء ضائع.
على مائدة العشاء جلس أمامي ونظر إلي طويلا قبل أن يقول
إيش في
من أمس وأنا حاس فيك شي غريب.
رفعت رأسي نحوه ولم أهرب بعيني كما كنت أفعل دائما.
نظرت إليه بثبات هادئ وقلت
أعرف كل شيء يا عمار.
جف حلقه.
قال بهمس مضطرب
كل إيش
أخذت وقتي في الرد.
وضعت الملعقة على الطاولة برفق ومسحت يدي بمنديل ثم قلت
أعرف كل ما تقوله عني.
أعرف كيف تكتب عني.
أعرف كيف تستخف بي أمام غيرك.
أعرف أنك تظنني بسيطة غير مؤذية ولا أفهم.
ظل يحدق بي وكأنه يسمع لغتي للمرة الأولى.
كأنه يكتشف أنني امرأة لها عقل وظهر وصوت.
ثم نطق بصوت متكسر
أنت كنت تقرأين رسائلي
هززت رأسي ببطء.
نعم قرأتها.
لكن الأهم أنني تعلمت.
وضع يده على جبينه كأنه يحاول
ثم قال
ليه ليه ما قلتي لي
ابتسمت دون مرارة.
كانت ابتسامة شخص لم يعد ينتظر شيئا.
وقلت
لأنك لم تحاول يوما أن تعرفني.
كنت تتحدث عني أكثر مما تحدثت معك.
كنت تحكم علي قبل أن تمنحني فرصة ليراك عقلي.
سحب كرسيه للخلف قليلا وانحنى بجسده فوق الطاولة وسأل بقلق خفي
إيش ناوية تسوين
تتركيني
كان السؤال كبيرا يميل بين الرجاء والخوف.
وللمرة الأولى شعرت أن الحقيقة ليست مخيفة بل محررة.
نظرت من النافذة إلى الشارع الهادئ ورأيت شخصا يتغير في داخلي.
ثم التفت إليه وقلت بصوت ثابت
لن أتركك
بل سأترك النسخة التي أردت أن تكون أنا.
رأيت الدهشة تمتد على وجهه خافتة غير مصدقة.
وقفت بهدوء وذهبت إلى الغرفة وعدت بظرف أبيض وضعته أمامه.
فتح الظرف وقرأ صامتا
عقد شقتي
شهاداتي
ورقة من البنك
مخطط مشروعي
رسالة كتبتها له
رفع عينيه نحوي وقال بصوت لم أره عليه من قبل
يعني النهاية
اقتربت منه خطوة.
لم أكن غاضبة.
لم أكن باكية.
كنت فقط حقيقية.
قلت
النهاية لما كنته أنت
وبداية ما سأكونه أنا.
التقطت حقيبتي الصغيرة التي كنت أجهزها منذ أسبوع.
وضعت مفتاح البيت على الطاولة بنعومة كأنه شجرة ذبلت أوراقها أخيرا.
وقلت
أنا لست غير مؤذية يا عمار
كنت فقط نائمة.
ثم أدرت ظهري واتجهت نحو الباب.
خطواتي كانت واثقة كأنني أسير على أرض أعرفها منذ ولادتي.
وحين أمسكت بمقبض الباب سمعته يقول بصوت مبحوح
ارجعي لو سمحتي.
أغلقت عيني لحظة.
كنت أعرف أن ذلك الصوت كان سيكسرني قبل سنة وربما يوقفني عن الخروج.
لكن اليوم كان صوتا لا يملك تأثيره القديم.
فتحت الباب وقلت دون أن أنظر خلفي
أحيانا لا نعود.
ليس قسوة بل احتراما لما اكتشفناه في أنفسنا.
وخرجت.
حين خرجت من الباب شعرت بالهواء يصفق وجهي كأنه يرحب بي للمرة الأولى.
كان الليل هادئا لكنه لم يكن صامتا كان يشبهني لا يزال يتنفس بعد عاصفة.
توقفت أمام البوابة حين سمعت صوته خلفي
استني لا تروحين.
التفت إليه ببطء.
كان يقف على عتبة البيت وجهه ممتلئ بالذهول بيده الأوراق التي تركتها له.
كانت أصابعه ترتجف كأنه يحمل اعترافا لا يستطيع نطقه.
قال
لو أخطأت
لا تتركيني.
أصلح كل شيء.
تقدمت نحوه خطوة واحدة فقط
خطوة قصرت المسافة لكنها لم تصلح الهوة.
قلت بصوت يشبه الهدوء الذي يسبق قرارا لا رجعة فيه
أنا أصلحت كل شيء بداخلي.
ولن أسمح لأحد أن يعيدني إلى نقطة هجرتها.
هز رأسه بيأس خافت.
معقول كل شي بيننا ينتهي بهالسهولة
نظرت إليه طويلا نظرة امرأة رأت الحقيقة كاملة ولم تعد تقدر على تصغيرها.
وهمست
هو لم ينته اليوم
بل انتهى يوم بدأت تضحك علي أمام غيرك
ويوم صدقت أنني لا أستطيع أن أكون أكثر من الظل الذي رسمته لي.
مددت يدي نحوه
ولوهلة اعتقد أنه انتصار له قبل أن يراني أفتح راحتي وأنزل فيها خاتم زواجي.
سقط الخاتم في كفه بصوت خافت لكنه كان كافيا ليهدم عالما كاملا.
قلت وأنا أرفع رأسي بثبات
هذا ليس انتقاما يا عمار
هذا تحرر.
ثم أضفت الجملة التي قضيت سنة كاملة لأقولها بثقة
المرأة التي كنت تسميها غير مؤذية
عرفت قوتها الآن.
وهذه القوة لن تعود معك.
استدرت وواصلت السير.
لم أنظر خلفي.
لم أتردد.
لم أشك للحظة.
وكل خطوة كنت أخطوها على الطريق المظلم
مرحبا بك في الحياة التي تستحقينها.
وهكذا
لم تنته حكايتي معه.
بل بدأت حكايتي مع نفسي.
انتهت