عندما توفّي زوجي

لمحة نيوز

عندما توفي زوجي وجدت نفسي وحيدة تماما لا قريب ولا صديق إلى جواري. شعرت بالضعف وتمنيت لو كان أبي وأمي بقربي. 
لم أكن مستعدة لغياب آدم.
ورغم أنه كان رجلا هادئا لا يكثر الكلام ولا يبالغ في الوعود إلا أن وجوده كان يشبه السند الخفي الذي لا تدرك قيمته إلا حين يسقط فجأة.
منذ لحظة موته صار البيت باردا كأنه فقد ضوءا لا يعوض.
منذ أيام فقط كنت أعد له فنجان القهوة والآن أقف في المكان نفسه أبحث عن أي شيء يثبت أن الحياة لم تنطفئ من حولي.
لم أملك أحدا. لم أكن مقربة من أهلي ولم يزرني صديق منذ سنوات.
ولم أكن أعرف أن غيابه سيكشف كل الوجوه التي كنت أظنها قلوبا.
حين وصلتني شهادة الوفاة شعرت بأن جسدي يسقط في حفرة لا قرار لها. أخرجت هاتفي وأنا أرتجف واتصلت بأمي كنت أريد أن أسمع صوتها فقط لا أكثر.
قلت بصوت مكسور
ماما آدم مات مات فجأة.
لم يكن ردها بكاء ولا حتى تنهيدة بل صوت موسيقى وصخب في الخلفية.
قالت دون اكتراث
يارا إحنا في عيد ميلاد بنات خالتك دلوقتي. خلينا نتكلم بعدين.
ثم أنهت المكالمة.
لم تهاتفني بعدها.
وكأنني كنت أتصل لأطلب خدمة لا لأسقط خبرا يهز الحياة.
بعد ثلاثة أيام من الجنازة جاء أهل آدم.
لم يحملوا

وردا ولا عزاء صادق.
حملوا شيئا آخر شيئا أثقل من الموت.
دخل والد آدم أولا. جلس كأن البيت بيته وتلفت حوله بنظرة لا تشبه نظرة والد يشعر بالأسى على ابنه.
كانت نظرة من يقيم شيئا لا من يفتقد أحدا.
قال بصوت جاف
إحنا اتكلمنا وبما إن العيلة لازم تكون شريكة في كل حاجة فشايفين إن لينا نصيب.
نظرت إليه مذهولة.
أومأت والدته مؤيدة
نصيب عادل يعني خمسين في المية من الميراث.
كنت ما زلت أبكي ليالي طويلة لا أصدق أن آدم رحل.
وهم يفكرون في الأموال.
لم أجادلهم. كنت أسمع كلماتهم كأنها تأتي من عالم آخر.
تركتهم يتكلمون يأخذون راحتهم في الطمع ويرحلون دون أن يتركوا كلمة عزاء واحدة.
بعد خروجهم جلست وحدي.
أدركت لأول مرة أن موت آدم لم يكشفهم بل كشفني. كشف ضعفي.
كنت دائما أتجنب المواجهات أهرب إلى الصمت أتحمل لأجل ألا أخسر أحدا
لكنني اليوم خسرت الجميع دون أن أفتح فمي.
بعد أسبوعين عاد والداي ليس ليواسيا بل بملابس لامعة ووجوه مهيأة لزيارة رسمية.
ابتسمت أمي ابتسامة خالية من أي دفء ثم قالت
قلنا نطمن عليك يا يارا.
دخلت بلا استئذان ولحقها أبي.
لم ينظر إلى صور آدم ولا إلى شمع الرحمة ولا إلى سواد البيت.
نظر فقط إلى الطاولة كأنه يبحث
عن ملف أو ورقة.
قال أبي بنبرة مدروسة
إحنا محتاجين نتكلم بعقل. وضعك المادي لازم نفهمه.
نظرت إليه بصمت.
أكمل
آدم كان شغال وظيفة كويسة يعني أكيد عنده بوليصة تأمين كبيرة. ومن الطبيعي إننا نشارك.
لم أصدق ما أسمع.
سألت بذهول
تشاركوا في إيه
أجاب ببرود كأن الأمر بديهي
نص بالنص. إحنا أهلك برضه ومصاريف تعليمك وكبرك إحنا اللي دفعناها.
قالتها أمي وهي ترفع حاجبيها باستحقاق
مش هنسيبك لوحدك بس برضه مش منطقي الفلوس دي تبقى معاكي أنتي بس.
هنا شعرت بأن شيئا ينكسر داخلي.
وكأن كل لحظة في حياتي معهما صمتي احتمالي محاولاتي لإرضائهما عادت لتصفعني.
قلت بصوت خرج من أعماق لم أعرفها
آدم مات من أسبوعين. وإنتوا بتتكلموا عن الفلوس
رد أبي بلا خجل
ما هو ده الواقع. الحزن مش بيأكل عيش.
كانت تلك اللحظة أول مرة في حياتي لا أشعر بالضعف بل أشعر بالاشمئزاز.
كان سقوطهم أمام عيني بوضوح مؤلم لكنه واضح لأول مرة.
بعد أن غادروا جلست وسط الصمت. أفكر.
أراجع السنوات الماضية
كيف كنت أعتذر حتى لو لم أخطئ.
كيف كنت أتراجع خطوة ليخطو الآخرون فوقي.
كيف كنت أتحمل الإهمال وأسميه طيب أصلهم أهلي.
لكن اليوم انتهى كل ذلك.
جلست أمام المرآة. رأيت امرأة
منهكة نعم لكنها ليست مكسورة.
امرأة لديها خيار
إما أن تكمل حياتها وهي ضحية
أو تتوقف الآن وتبدأ من الصفر وتبني نفسها بنفسها.
واخترت الثانية.
بدأت في اليوم التالي بجمع أوراقي
شهادتي الجامعية دوراتي القديمة ملفات نسيتها في درج منذ سنوات.
تذكرت أنني كنت أحب الترجمة.
فتحت الحاسوب وبدأت أبحث عن عمل حر.
أرسلت طلبات كثيرة ورفضت طلبات أخرى.
لم أعد أقبل ما يعطى لي بل أبحث عما أستحقه.
وكنت كلما تذكرت وجه أبي وهو يطلب نص التأمين أشعر بقوة جديدة تتدفق في صدري.
لم أعد أريد منهم شيئا.
لا مالا ولا حبا مؤجلا ولا حضورا بلا روح.
بعد أيام تلقيت أول عرض للعمل.
كان بسيطا لكنه أول خطوة نحو شيء يشبه الحياة الحقيقية.
اشتغلت.
وتعلمت.
وأصبحت أستيقظ كل صباح بدون صوت أبوي يضغط على صدري ولا صوت أهل آدم يطالبون بما لا حق لهم فيه.
كنت أستيقظ على صوتي أنا.
ولأول مرة أعجبني الصوت.
وفي يوم مشمس جاءني اتصال من مكتب محاماة.
قالوا إن أهل آدم رفعوا طلبا رسميا للمطالبة بنص الميراث.
ابتسمت.
لم أتوتر.
لم أبك.
قلت للمحامي بثبات لم أعرفه من قبل
عايزة أرفع قضية مضادة وأثبت حقي كاملا.
تردد قليلا قبل أن يسأل
وإجراءات أهلك
أغلقت الباب بخفة
ثم قلت
أهلي
من اليوم لم يعد لي أهل سوى نفسي.
لم يكن دخولي قضية الميراث خطوة سهلة.
كانت أشبه بوقوفي أمام
تم نسخ الرابط