التخرج الذي غير كل شيء
دفعت ثمنه. كل شيء ملكي.
انحنى الشرطي الأصغر قليلا بصوت أقل حدة
هل يمكننا الدخول يا آنسة ريد
أومأت دون أن أفكر. دخلا بخطوات واثقة كأنهما يعرفان طريقهما جيدا بينما الأرض تحاول الإفلات من تحت قدمي. نظر الشرطيان حولهما. كل شيء كان مرتبا صناديق الكتب الشهادة المؤطرة ماكينة القهوة آثار صباح هادئ لم يعد هادئا بشيء.
توقف الشرطي الأطول عند النافذة انحنى قليلا ثم قال بصوت خافت
هذا غريب.
اقتربت منه
ماذا هناك
أشار بإصبعه نحو موقف السيارات. تبعت الإشارة.
حافلة خمرية اللون متوقفة بعشوائية. بابها الجانبي مفتوح. في الداخل أكياس شفافة كثيرة وشخص يتحرك بينها بحركات متوترة مضطربة كأنه يبحث عن شيء يهرب منه لا يبحث عنه.
قال الشرطي الأصغر بنبرة حذرة
آنسة ريد والدتك ذكرت أنك خرجت هذا الصباح مرتبكة وأنك قلت إنك ستختفين.
اتسعت عيناي.
هذا غير صحيح. لم أتحدث معها أصلا ولم أذهب لبيتها منذ أسابيع.
ازدادت نظرات الشرطيين ثقلا كأنهما أحسا بشيء يخرج عن حدود بلاغ عائلي.
ثم قال الأصغر بهدوء
ذكرت أيضا أنها قلقة من أنك تفقدين ذاكرتك.
شعرت بقلبي يسقط.
لم أعرف كيف أتنفس. ولا كيف أجيب.
ناولاني الشرطي الأطول ورقة مجعدة.
وجدنا هذا في بيت والدتك.
فتحت الورقة. كانت الكتابة تشبه خطي تشبهه كتقليد سيئ لكنه متقن بما يكفي ليربكك
لم أعد أحتمل. سأرحل. لا أريد أن أكون هنا حين تعودين. آسفة.
تجمدت الدنيا حولي.
هذا تزوير. لم أكتب هذا قط.
راقبني الشرطي طويلا كأنه يقرأ ما بين أنفاسي يبحث عن شيء يجعله يصدق جهة دون أخرى.
اقترب خطوة.
آنسة ريد نحتاج أن ترافقينا إلى المركز. هناك تناقضات في البلاغ. من الأفضل توضيحها.
قبل أن أنطق كلمة جاء طرق آخر.
هذه المرة لم يكن قويا بل ضعيفا كأنه طرق من يد ترتجف من شخص يكاد يسقط.
نظرنا جميعا إلى الباب.
اقترب الشرطي الأصغر وفتحه بحذر.
وهناك
كانت أيفري.
لكنها لم تكن أختي التي أعرفها. كانت شاحبة حد الذبول عيناها حمراوان صوتها مختنق كأنه ولد من بين دموع لم تجف.
كاميلا لازم تأتي معنا. ماما ماما تقول كلام غير منطقي
خطت خطوة إلى الداخل
عم تقول إنك ما عمرك سكنتي هنا. وإن هذه الشقة تملكها
ارتجفت شفتاها.
ماذا.
ارتج جسدي كله. شعرت بأن الأرض تميل فعلا لا مجازا.
ماذا
تابعت إيفري وصوتها يتشقق كأن الكلمات تخرج من حنجرتها مثقلة بالصدمة
تقول إن لها ابنة واحدة فقط وأنك لست موجودة
للحظة واحدة توقف الزمن.
الشرطيان ظلا في موضعهما كأن الهواء تجمد حولهما.
أما أنا فشعرت كأنني أنفلت من جسدي الدم انسحب إلى مكان مجهول واسمي نفسه بدا غريبا علي كأنه اسم شخص لا أعرفه.
كانت الحقيقة أو ما يشبهها تنفتح أمامي على هاوية لا قرار لها.
مدت إيفري يدها نحوي كما تفعل دائما حين يداهمنا الخوف لكن ما إن لامست أطراف أصابعي حتى تبدل وجهها بحدة كأن صدمة خفية عبرت خلالها.
سحبت يدها بسرعة وحدقت في بذلك الرعب ذاته الذي كان يطحن صدري.
همست كاميلا وصوتها يرتجف
لماذا لماذا يدك باردة باردة جدا هذا ليس طبيعيا.
تراجع الشرطيان خطوة إلى الوراء بطريقة غريزية كأن شيئا
أما أنا فخطوت إلى الأمام دون وعي. لم أشعر بقدمي ولا بثقلهما كأن الأرض لم تعد تعترف بوجودي عليها.
قلت بصوت باهت
إيفري
ثم خرجت الكلمات محمولة على بحة ضعيفة تكاد تختفي
أنا موجودة أنا هنا.
وفي اللحظة ذاتها
انفجر مصباح السقف بضوء واحد.
وميض قصير لكنه كان كافيا لزلزلة كل شيء.
مد الشرطيان أيديهما إلى أحزمتهما فورا.
وبدا الزمن ينساب ببطء عجيب كأن المشهد يتحرك داخل ماء ثقيل.
قال الشرطي الأطول بصوت لم أعرفه منه من قبل صوت حمل خوفا أكبر مني ومنه
الآنسة ريد كاميراتنا لا تلتقط وجهك.
تجمدت.
لم أفهم أو ربما فهمت ورفضت.
تابع الشرطي وصوته يسقط علي كسقوط حجر في بئر
ولا نرى ظلك. ولا صورتك على الشاشة. الكاميرا تسجل فراغا.
شعرت بأن جسدي ينساب مني كدخان.
استدرت خلفي في اللحظة نفسها التي هوت فيها شهادة التخرج البلاستيكية على الأرض.
سقطت بثقل مبالغ فيه وبصوت مكتوم
صوت لم يكن صوت ورقة بل كأنه سقوط شيء أثقل شيء يشبه جزءا من حياتي.
وفي تلك الشقة وسط ذلك الصمت الذي
أنني لم أكن موجودة