بائعة طعامٍ فقيرة أطعمت أرملة مشرّدة
بائعة طعامٍ فقيرة أطعمت أرملة مشرّدة كلَّ يوم… وفي يومٍ ما، جاء ملياردير يبحث عنها
اهتزّ هديرُ المحرّكات العالية فوق تراب شارع "بورت هاركورت" المغبرّ قبل أن يرى أحدٌ السيارات.
بدأ الزبائنُ الجالسون تحت مظلّة أمارة القديمة يتحرّكون في مقاعدهم بقلقٍ خفيف، كأن ريحًا صامتة مرّت على المكان من دون أن يشعر أحد. كانت المظلّة المهترئة تُلقي بقعَ ظلٍّ غير منتظمة على الطاولات الخشبية، بينما امتزجت رائحة التوابل مع دخان الفحم المتصاعد من الموقد الصغير، ذلك الموقد الذي يشهد منذ سنوات على تعب أمارة وكفاحها. ومع ذلك، ورغم كل هذه التفاصيل المألوفة التي اعتادها كل من في الحي، بدا أن شيئًا غريبًا على وشك أن يحدث، شيء جعل حتى العاديّ من حولهم يبدو تافهًا لا قيمة له.
تجمّدت جيسيكا، ابنة أمارة المراهقة، في منتصف الخطوة وهي تحمل طبقًا امتلأت جوانبه بآثار الزيت. حدّقت في الطريق وكأن قدميها التصقتا بالأرض. وعلى الطرف الآخر من الكشك، كانت ماما "هنا" منهمكة في تناول طبق الجولوف رايس الذي لا تبدأ يومها من دونه. ورغم أنها امرأة اعتادت كل أزمات الحياة، إلا أن يدها توقّفت في الهواء فجأة، وبقيت الملعقة معلّقة بين السماء وصدرها، كأن الزمن تجمّد حولها.
في تلك اللحظة، اندفعت ثلاثُ سياراتٍ رباعية
ترددت همساتٌ بين الناس، كأزيز نحلةٍ محبوسة:
«لمن هذه السيارات؟!»
«سياسي؟ رجل أعمال؟ ولا في مشكلة كبيرة؟»
توقّفت السيارات أمام كشك أمارة تمامًا—ذلك الكشك البسيط المبني من طاولةٍ خشبية، وبرّادين كبيرين أحدهما يئنّ من قِدمه، ومظلّةٍ مثقوبة تسمح لأشعة الشمس بأن تتسلّل من خلالها. بدا المشهد مُضحِكًا ومخيفًا في آنٍ واحد: الفخامة السوداء توقف ضخامتها أمام هذا الركن المتواضع الذي لم يكن له نصيبٌ من رفاهية الدنيا.
اختلّ نفس أمارة، شعرت كأن قلبها تدحرج داخل صدرها. كانت يداها المبللتان بالصلصة والزيت ترتعشان وهي تمسك ملعقة التقديم الكبيرة. لم يسبق لها أن رأت سياراتٍ كهذه عن قرب… ولم يخطر في بالها لحظة أن تتوقّف أمام كشكها تحديدًا.
لكن المؤكّد… أنها لم تأتِ لشراء وجبة.
فُتح باب السيارة الأولى ببطء. نزل رجلٌ طويل القامة، أسمر البشرة، مشيته هادئة ولكنها تُشعر كل من حوله بأن الأرض تفسح له الطريق. كان يرتدي بدلة كحليّة مصقولة لا ترى عليها تجعّدًا
نزل خلفه حارسان، بملامح قوية ونظراتٍ حادّة، يمسحان المكان كما لو كانا يقيّمان ساحة حرب. لم يلتفت الرجلُ لليمين، ولا لليسار… بل سار بخطواتٍ ثابتة مباشرةً نحو كشك أمارة، نحوها تحديدًا.
حبس الحيُّ بأكمله أنفاسه.
جيسيكا وضعت يدها على فمها وهمست:
«مامي… هو… جاي لعندنا.»
شعرت أمارة بأن قدميها لم تعودا ملكًا لها. ضربات قلبها صارت عالية لدرجة أنها كادت تسمعها. مسحت يديها على مئزرها بسرعة، وكأنها تحاول طمس آثار التعب، لكن البقع كانت عنيدة كحال حياتها.
وقف الرجل أمامها، قريبًا بما يكفي لتسمع أنفاسه.
كانت نظراته دافئة على نحوٍ مربك، فيها شيء لا يُشبه رجال المال المتعجرفين ولا تُشبه زبائنها المعتادين. بدت عيناه وكأنهما تحملان شيئًا ثقيلاً… اعترافًا ما، أو ألمًا قديمًا.
تنحنح قليلًا وقال بصوتٍ هادئ:
«مساء الخير.»
لم تخرج كلمة واحدة من فم أمارة. شعرت أن لسانها التصق بسقف حلقها، واكتفت بإيماءةٍ صغيرة مرتبكة.
تابع الرجل، بنبرة رسمية تحمل رجفة خفيفة:
«من فضلكم… أين هي أمارة، صاحبة هذا المكان؟»
ساد الصمت.
صمتٌ ثقيلٌ، كثيف، حتى البرّاد القديم الذي لا يتوقف عن الأنين… صمت.
وفي مكانٍ ما، سقط طبقٌ
رفعت أمارة يدها ببطء، أصابعها ترتجف:
«أ… أنا. أنا أمارة.»
زفر الرجل زفرةً طويلة، كأنه كان ممسكًا بأنفاسه منذ سنوات.
ثم قال كلماتٍ جعلت الأرض تميل تحت قدميها:
«هل تسمحين لي… أن أشكرك؟ لأنكِ آويتِ أمي… ولأنكِ كنتِ تطعمينها كل يوم، من دون أن تعرفي هويتها.»
انطلقت شهقاتٌ من كل زاويةٍ في الشارع.
رجال، نساء، أطفال… الجميع انتفض بذهول كأن صاعقة مرّت فوق رؤوسهم.
«أمه؟! أيّ أم؟!» تمتم أحدهم.
ارتجفت أمارة، وقالت بصوتٍ مبحوح:
«أمّك؟ مَن تقصد؟ مَن هي أمّك؟»
قبل أن يتحرّك الرجل ليجيب، جاء الصوت الذي مزّق الصمت من خلف أمارة…
صوتٌ ضعيف، مكسور، يحمل من الماضي ما يكفي لخلخلة الروح:
«قال… مَن هي أمّك؟»
التفت الناس جميعًا دفعة واحدة.
إنها ماما هنا.
كانت واقفة بصعوبة، وطبق الطعام يتهدّد بالسقوط من بين أصابعها المرتعشة.
عينَاها اتسعتا حدّ الصدمة، يلمع فيهما خوفٌ قديم… ودموع تتجمع بصمت، كأنها تعرف جواب السؤال قبل أن يُقال.
ارتخت يد جيسيكا وسقطت الخرقة من قبضتها.
استدار الرجل—الملياردير الذي ضجّ الحيّ به—ببطءٍ شديد، كما لو أنه يواجه شبحًا خرج من قبر ذاكرته.
وعندما التقت عيناه بعيني "هنا"…
انشطر الزمن نصفين.
وتوقّف العالم
https://pub153.lamha.news/62904
