رسائل في منتصف الليل
لم أكن يوما أظن أن حياتي ستنشق إلى نصفين بسبب جملة واحدة
أنت مثل أخ لي
قالتها ميا ببساطة لا تشبه العواصف التي خلفتها في صدري
أنت مثل أخ لي
سمعتها منها مرارا حتى ظننت في البداية أن التكرار سيضعف حدتها وأن الأذن تعتاد الألم كما تعتاد الضجيج لكن قلبي لم يتعلم التكيف كان يرتجف في كل مرة كأن الجملة تقال لأول مرة وكأنها تكتب على جداره بسكين بطيء
لم أجادلها
لم أسألها لماذا
لم أحتج رغم أن في داخلي اعتراضا كان يكبر ولا يجد طريقه إلى فمي
كنت أفسر صمتها بالرحمة وأفسر رفضها بالحذر وأقنع نفسي بأنها امرأة جرحت من قبل وأن الخوف قد علق في روحها مسامير لا أراها قلت إن الوقت سيصلح ما أفسده الآخرون وإن الصبر قد يصنع معجزة
لكن الحقيقة حين ظهرت لم تكن معقدة كما تخيلت بل كانت بسيطة حد القسوة
ميا لم تكن تحبني
كانت تحب وجودي
تحب أن أكون ثابتا قريبا متاحا حاضرا متى احتاجت غائبا حين لا تريد
لم يصلني هذا الإدراك دفعة واحدة
لم يكن صدمة بل تسرب بطيء
كل شيء يبدو طبيعيا الضحكات موجودة الأصوات عالية لكنك فجأة تشعر أنك وحيد رغم الجميع
هكذا انتصر الفهم علي صامتا زاحفا لا يرحم
وفي اللحظة التي اعترفت فيها لنفسي أنني لست أكثر من محطة انتظار في حياتها كنت قد استهلكت من روحي ما لا يحق لإنسان أن يمنحه بلا مقابل
كنت قد أعطيت كثيرا وانتظرت أكثر وخسرت نفسي وأنا أظن أنني أربح قربها
ثم ظهرت إيما
لم تدخل حياتي بعاصفة بل بنسمة
حضورها كان أشبه بفتح نافذة في غرفة خانقة ظللت سنوات أتنفس هواءها الفاسد دون أن أدرك
امرأة هادئة صادقة دقيقة في مشاعرها
لا تلقي الكلمات جزافا ولا تستخدم البشر كدعائم مؤقتة تتكئ عليها حين تتعب
أحبتني ببساطة
لا شروط لا تلاعب لا رسائل ملتبسة
وأحببتها دون خوف كأن الحب معها لم يكن مخاطرة بل عودة إلى توازن افتقدته طويلا
ظننت أن القصة انتهت هناك
ظننت أنني أغلقت بابا قديما وألقيت المفتاح بعيدا
لكنني لم أكن أعلم أن بعض الأبواب
هي لا تدخل من الأبواب بل تتسلل من الشقوق وتبحث دائما عن مصدر الضوء
حين التقتا للمرة الأولى كنت أظن أن الأمر سيمر بهدوء
دعوت ميا إلى مقهى صغير محايد لا يحمل ذاكرة مشتركة
إيما جلست بجانبي كتفها يلامس كتفي وابتسامتها مطمئنة كأن العالم كله لا يمتلك القدرة على إيذائها
دخلت ميا كما اعتدت رؤيتها جميلة واثقة تجيد لفت الأنظار دون جهد
لكن شيئا ما في عينيها انكسر لحظة وقعتا على إيما
لم يكن غيرة امرأة من أخرى بل خوف أعمق خوف من فقدان امتلاك لم يكن يوما حقا
جلست وبدأت حديثا خفيفا لكن نبرة صوتها كانت مشدودة مشحونة لا تخطئها أذني
وجهت أسئلتها إلى إيما لا إلي
منذ متى وأنتما معا
كيف التقيتما
وهل هو مختلف معك
كانت تلمس ذراعي كلما مر أحد قرب الطاولة تضحك بصوت أعلى مما ينبغي تقترب أكثر كأنها تحاول إعادة كتابة التاريخ بلمسة أو بنظرة ملحة
لكن إيما كانت ثابتة
ابتسامة هادئة عينان واثقتان وصمت يفهم أكثر
وعندما افترقنا أمسكت إيما بيدي وقالت بهدوء لا يخلو من يقين
هي لا تريدك هي فقط لا تريد أن تفقدك
كلماتها اخترقتني لأنها لم تكن اتهاما بل حقيقة مجردة
وفي تلك الليلة وصلتني رسالة من ميا
هل يمكننا التحدث أفتقدك
ظننتها نهاية حنين عابر
لم أكن أعلم أنها مجرد شرارة
وأن الليل التالي سيحمل ما هو أثقل وأكثر ظلمة
اتصلت بي بعد الرسالة مباشرة
كان صوتها مختلفا مكسورا على نحو لم أعهده منها من قبل كأن المرأة الواثقة التي عرفتها تخلت فجأة عن قناعها الأخير
قالت بصوت مرتجف
أشتاق إليك أكثر مما ظننت
لم أجبها
آثرت الصمت لا قسوة بل انتظارا لما ستقوله حين لا تجد مقاومة
تنفست بعمق ثم أردفت
لا تفهمني خطأ أنا سعيدة لأجلك لكن رؤيتك مع إيما جعلتني أفكر
سألتها بهدوء
تفكرين في ماذا
ترددت ثم قالت كمن يعترف بخطيئة متأخرة
ربما كنت خائفة طوال تلك السنوات ربما كنت أحمق كنت أرفضك لأنني لم أرد أن أخسرك
ابتسمت
لكنك خسرتني حين عاملت وجودي كتعويض عن