رسائل في منتصف الليل

لمحة نيوز

كل رجل غادر حياتك 
سمعتها تلهث كأن الكلمات سحبت الهواء من صدرها 
سألتني فجأة بصوت واهن 
هل تحبها
أجبت دون تردد 
نعم 
ثم أضفت بعد صمت قصير 
أحببتك بطريقة لم تستحقيها وأحب إيما بطريقة تستحقها هي 
انفجرت بالبكاء 
لكنني للمرة الأولى لم أندفع لبناء قلعة من التعاطف حولها 
كان داخلي فارغا من ذلك النوع من الرحمة الذي يدمر صاحبه 
انتهت المكالمة لكنني لم أكن أعلم أن نهايتها لم تكن سوى بداية الانحدار 
في الأيام التالية بدأ كل شيء يتصاعد على نحو مقلق 
رسائل لا تنتهي 
اتصالات متلاحقة في أوقات غير مناسبة 
تعليقات مبطنة على الصور وزيارات مفاجئة إلى مكان عملي 
كنت أحاول وضع حدود لكنها كلما شددت الخيط تمسكت به أكثر 
وذات مساء قالت لي إيما بصوت هادئ تخالطه خشية صادقة 
ميا ليست بخير وإن لم تضع حدا الآن ستندم لاحقا 
لم أرغب في سماع ذلك لكن الحقيقة لا تحتاج إلى ترحيب كي تكون صحيحة 
قررت أن ألتقي ميا وجها لوجه 
اخترت مكانا محايدا قاعة هادئة في مكتبة عامة حيث لا مجال للمشاهد ولا للانفعالات 
حين
وصلت كانت تنتظرني بعينين محمرتين ووجه أنهكه السهر 
جلست أمامها وقلت مباشرة 
هذا يجب أن يتوقف 
هزت رأسها ببطء ثم قالت 
ظننت أنك ستفهمني أكثر من أي شخص آخر 
أجبتها بهدوء صارم 
أنا فهمتك لكنك لم تفهميني 
سألت بحدة مكبوتة 
وماذا فهمت
قلت 
فهمت أنني كنت ملاذا لا حبا 
تغير شيء في ملامحها 
اختفت الهشاشة فجأة وحل محلها صمت صلب ثقيل 
نظرت إلي نظرة لم أعرفها من قبل لا غضبا ولا ألما بل إحساسا بامتلاك يسحب منها بالقوة 
قالت ببطء 
لن تكون سعيدا معها 
ثم ابتسمت ابتسامة باردة وغادرت 
لم أدرك يومها أن ذلك لم يكن تهديدا بل إعلان حرب 
بعد اللقاء بدأت الأمور تنزلق إلى العتمة 
تلقت إيما رسائل مجهولة كلمات قليلة لكنها سامة 
هل تعرفين كل شيء عنه
هل أخبرك بما كان بينه وبين ميا
هو لا يزال يحبها 
كنت أعلم الفاعل دون دليل لكن إيما رغم ثقتها بدأت تشعر بوخزة الشك التي لا اسم لها 
ثم جاء المشهد الذي لم أكن مستعدا له 
في إحدى الليالي عدت إلى المنزل لأجد ميا واقفة أمام باب البناية تحت المطر 
ملابسها
مبتلة شعرها ملتصق بوجهها وعيناها مذعورتان كطفل ضائع 
قالت بصوت متكسر 
لا أستطيع التوقف لا أستطيع فقدانك 
قلت بحدة لم أعرفها في نفسي من قبل 
هذا غير مقبول عليك أن تتوقفي 
قالت 
إن ابتعدت عني لن أبقى كما أنا 
كانت تهديدا أو استغاثة أو مزيجا مؤلما من الاثنين 
وفي تلك اللحظة أدركت أن هذه القصة لن تنتهي بسهولة 
بعد يومين فقط وقعت الكارثة 
اختفت إيما لساعات لا ترد على مكالماتي 
وحين عادت كان وجهها شاحبا وصوتها ثابتا على نحو مخيف 
قالت 
ميا جاءت إلى عملي 
تجمد الدم في عروقي 
أكملت 
قالت لي إنك كنت تحبها وإنك لم تتجاوزها وإنني مجرد مرحلة 
نظرت إلي بعينين ممتلئتين بوجع لا تستحقه 
قالت بهدوء محترق 
لم أصدقها لكنني تألمت 
شعرت أن شيئا ما ينفصل في داخلي 
لم يعد الأمر تصرفا جريحا بل إيذاء متعمدا 
ذهبت إلى ميا في المواجهة الأخيرة 
وجدتها في منزلها جالسة على الأرض محاطة بصور قديمة لنا صور لم أكن أعلم أنها تحتفظ بها 
قالت 
لم أفعل شيئا خاطئا أردت فقط أن أريك
الحقيقة 
سألتها 
وأي حقيقة
صرخت 
أنك تخصني!
صرخت بدوري 
أنا لا أنتمي لك!
حدقت بي ثم قالت بانكسار متأخر 
لا تفهم ماذا فعلت بي حين دخلت إيما حياتك 
اقتربت خطوة لكنني اقتربت خطوة أخرى لا بقرب حميم بل بقرب رجل ينهي حربا 
لن يكون هناك نحن لا الآن ولا لاحقا ولا في حياة أخرى لقد جرحت نفسك بمحاربة شيء لم يكن موجودا 
صرخت 
لكنني أحببتك!
قلت بهدوء قاتل 
أحببت الشعور لا الشخص 
تحطم شيء في عينيها 
دمعة واحدة ثم ارتخاء كامل 
همست 
سأختفي 
قلت 
هذا أفضل لك ولنا 
لم تكن كلمات انتقام بل رحمة جاءت متأخرة 
واختفت فعلا 
لا رسائل لا زيارات لا محاولات 
كأنها انسحبت من العالم 
عادت حياتي تدريجيا إلى هدوئها 
وإيما بقيت بجانبي رغم كل ما حاولت ميا فعله لتفكيكنا 
وفي إحدى الليالي وأنا أغلق باب شقتي وجدت ورقة صغيرة على الأرض 
فتحتها 
كانت بخط ميا 
لا تقلق لم أذهب بعيدا عدت فقط إلى الظلال التي صنعتها أنت 
لكن تذكر الظلال تعود دائما حين يختفي الضوء
رفعت رأسي 
كان
الممر صامتا لا أحد هناك 
ومع ذلك أقسم أنني شعرت برائحة عطرها تمر قرب كتفي

تم نسخ الرابط