زيّف موته ليهرب… لكنها أعادته للحياة أمام الجميع!
المحتويات
لم تختبر البرد الحقيقي قط إلا حين يصفعك هواء ديسمبر على وجهك وأنت لا تملك بابا تغلقه لتتركه خارجا لم يكن قرار تزييف الموت وليد لحظة طائشة بل ثمرة ليال طويلة من الخوف والديون والوجوه التي لم تعد تعرف الرحمة
كان اسمه سليم نادر رجلا عاديا في نظر الجميع لكنه في داخله كان يشعر أنه محاصر داخل قفص يضيق كل يوم حتى لم يعد الهواء يكفيه
خسر تجارته خلال عامين فقط شراكات انهارت قروض تراكمت ووعود لم يستطع الوفاء بها لم يكن سيئ النية لكنه كان ضعيفا والضعف حين يجتمع مع الخوف يصنع قرارات لا تغتفر
وفي تلك الليلة حين جلس أمام المرآة يتأمل وجهه الشاحب أدرك أن الهروب لم يعد خيارا بل ضرورة في نظره
قال لنفسه بصوت خافت
الموت هو المخرج الوحيد الذي لا يلاحقه فيه أحد
خطط لكل شيء بدقة مرضية
تقرير طبي مزور طبيب فاسد يقبض ثمن صمته نوبة قلبية مفاجئة في ملف طبي
كان يريد موتا مقنعا موتا لا يشك فيه
لكن أكثر ما كان يؤلمه ليس فكرة الموت بل فكرة هيام
زوجته
لم تكن مجرد امرأة تشاركه البيت بل كانت مرآته التي يرى فيها نفسه بوضوح مزعج امرأة لم تتخل عنه يوما حتى حين خذلها الصمت والديون والخوف
كان يعرف في أعماقه أنه لا يستحقها ولهذا تحديدا قرر أن يهرب
في صباح رمادي وصلها الخبر
سقطت الكلمة على قلبها كحجر في ماء ساكن
سليم توفي
لم تصرخ
لم تبك
لم تسقط أرضا كما تفعل النساء في الأفلام
جلست فقط تحدق في الفراغ وكأن عقلها يرفض استقبال الخبر
ثم نهضت ببطء وسألت بهدوء أربك الجميع
أين الجثة
كان السؤال أول شق في جدار الخدعة
لم يسمحوا لها برؤيته قالوا إن الجثة تضررت وإن الدفن سيكون سريعا
وافقت
لكن قلبها لم يقتنع
في الليلة نفسها دخلت غرفة نومهما فتحت خزانته وبدأت تفتش
ملابس ناقصة
أوراق اختفت
وعطره عطره المفضل لم يكن موجودا
جلست على السرير وأدركت الحقيقة التي حاول الجميع إنكارها
سليم لم يمت سليم هرب
لم تشعر بالغضب كما توقعت
شعرت بخيبة أعمق خيبة امرأة أدركت أن الرجل الذي أحبته اختار الجبن طريقا وتركها تواجه العالم وحدها
مرت الأيام والمدينة تناقلت الخبر بحزن سريع الزوال
عزاء كلمات تعاطف دموع مصطنعة ثم عاد كل شخص إلى حياته
إلا هي
هيام لم ترتد السواد طويلا
لم تعتزل الناس
لم تلعب دور الأرملة المنكسرة
كانت تراقب وتفكر
وبعد شهر واحد فقط أعلنت عن إقامة حفل تأبين علني في قاعة كبرى دعت إليه كل من عرف سليم
شركاؤه دائنوه أصدقاءه حتى أولئك الذين كانوا سبب سقوطه
قالت
وداع يليق برجل ظنناه ميتا لكنه ما زال حيا في ذاكرتنا
في مكان بعيد وعلى اسم مستعار قرأ سليم الخبر
تجمد الدم في عروقه
لم يكن الحفل جزءا من خطته
قال لنفسه إن حضور الناس لا يعني شيئا وإن هيام مجرد زوجة تحاول إغلاق الجرح
لكن شيئا في داخله كان يرتجف إحساس قديم بأنه مكشوف أمامها مهما ابتعد
ليلة الحفل كانت القاعة ممتلئة
صور سليم معلقة على الجدران موسيقى هادئة وإضاءة خافتة تشبه أجواء الجنائز الراقية
صعدت هيام إلى المنصة
كانت ترتدي ثوبا أسود بسيطا بلا دموع بلا انهيار
قالت بصوت ثابت
جميعكم يعرف سليم أو هكذا ظننتم
تبادل الحضور نظرات متوترة
تابعت
كان رجلا ذكيا ذكيا لدرجة أنه ظن أن الموت يمكن أن يكون حيلة
سرت همهمة في القاعة
ابتسمت ابتسامة صغيرة ثم أضافت
لكن هناك مشكلة واحدة
الموت
وفي
متابعة القراءة