رأى مربيته تُرضع ابنه… فكانت الحقيقة أعظم مما تخيّل
المحتويات
والد الطفلة قد هجرها أثناء الحمل تاركا إياها تواجه الأمومة ثم الفاجعة وحدها قالت إن قبول وظيفة أقل بكثير من مؤهلاتها كان مسألة بقاء فهي تحتاج إلى سداد الديون وتكاليف دفن طفلتها وتأمين مسكن لها
كان إدواردو يستمع والصدمة تكبر في ملامحه المرأة التي صنفها موظفة بسيطة بلا تعليم كانت في الحقيقة محترفة عالية التأهيل دفعتها الظروف لأن تعمل دون مستواها الحقيقي والأكثر من ذلك أنها رغم فقدها كانت تمنح ابنه حبا ورعاية تتجاوز أي واجب وظيفي
لكن إدواردو لم يكن قد سمع الجزء الأكثر إيلاما بعد عندما سألها عن تفاصيل موت آنا كلارا ترددت ماريا وكان في انكسار نظرتها ما يوحي بأنها تخفي شيئا بحكم خبرته في التفاوض أحس إدواردو بأنها تحجب معلومة حاسمة وحين ضغط عليها قالت الحقيقة التي جعلته لا ينام أسابيع لم تمت آنا كلارا بسبب المضاعفات الطبية وحدها بل لأن المستشفى الحكومي في كارا بيكويبا كان في إضراب ولم تستطع الحصول على رعاية في الوقت المناسب وحين نجحت أخيرا في نقل ابنتها إلى مستشفى خاص كان الوقت قد تأخر ماتت الطفلة بين ذراعي ماريا في ممر المستشفى وهي تتوسل تدخلا جاء بعد فوات الأوان
ثم أضافت ما جعله يرتجف من الداخل ولدت آنا كلارا في اليوم نفسه
قالت ماريا إنها عندما رأت إعلان وظيفة مربية لطفل حديث الولادة شعرت أن شيئا ما يدفعها للتقدم كأن رعاية غابرييل طريقة لتكريم ذكرى آنا كلارا وقناة لتصريف الحب الذي لم تعد تستطيع تقديمه لطفلتها كان نمو غابرييل الصحي مصدر فرح لها وفي الوقت نفسه جرحا مفتوحا يذكرها يوميا بابنتها التي رحلت
في تلك اللحظة اتخذ إدواردو قرارا غير متوقع بدل التركيز على البروتوكولات وحدود الوظيفة قرر أن تبقى ماريا مع غابرييل كما هي بل وأن يعترف بمؤهلاتها الحقيقية عرض عليها ترتيبا جديدا أن تعين لا كمربية بل كممرضة خاصة لغابرييل براتب يليق بتخصصها وتعهد بأن يساعدها في سداد الديون الطبية المرتبطة بعلاج آنا كلارا وأن يمول لها دراسة عليا لتحديث تخصصها والعودة إلى مسارها المهني
وقفت ماريا مشلولة من المفاجأة لقد دخلت الحديث خائفة من الطرد وربما الملاحقة القانونية لأنها أرضعت الطفل دون إذن فإذا بها
ثم فاجأها إدواردو أكثر عرض أن يوفر لها شقة في المجمع السكني نفسه القريب من القصر لتكون متاحة لغابرييل دون أن تفقد استقلالها وخصوصيتها في لحظات تبدل كل شيء بينهما رجل الأعمال البارد اكتشف في نفسه اهتماما إنسانيا حقيقيا بسعادة موظفة وماريا التي ظنت أن الأمل مات معها رأت أبوابا كانت مستحيلة قبل ساعات
لكن الأيام التالية حملت مفاجآت أخرى غابرييل لم يهدأ فقط بل بدأ يزدهر الطفل الذي كان يرفض الطعام وينام بصعوبة صار ينام بطمأنينة ويتغذى جيدا ويبدو سعيدا وإدواردو نفسه بدأ يتغير لأول مرة منذ وفاة كاميلا شعر أنه يهتم فعلا بحياة شخص آخر كانت محادثاته مع ماريا تمتد طويلا واكتشف أنها تملك أفكارا ناضجة ورؤى ذكية تتجاوز رعاية الأطفال
ومع ذلك جاءت ليلة صعبة قلبت نظرته للأمومة والفقد رأسا على عقب أصيب غابرييل بحمى مرتفعة ورغم خبرة ماريا بدا القلق واضحا عليها اقترح إدواردو أخذه فورا إلى المستشفى لكنها شرحت أن الحمى عند الرضع شائعة ويمكن مراقبتها في المنزل ضمن حدود معينة بقيت طوال الليل بجانب الطفل كمادات باردة مراقبة دقيقة للحرارة ضبط صارم للدواء ومع كل ذلك صوت تهويدة
عند الثالثة فجرا بعد أن انخفضت الحرارة ونام غابرييل وجد إدواردو ماريا تبكي بصمت في المطبخ قالت إن تلك الليلة أعادت إليها كل تفاصيل آنا كلارا ليالي السهر الخوف العجز واليأس حين لا تكفي الرعاية لإنقاذ من نحب عندها فهم إدواردو حجم التضحية العاطفية التي تقدمها ماريا كل يوم لم تكن الرعاية مجرد عمل كانت خلاصا وجرحا في آن واحد كل ابتسامة من غابرييل فرح ممزوج بذكرى ابتسامات لم تحصل عليها آنا كلارا وكل خطوة نمو يحققها غابرييل احتفال تظلله مرارة خطوات لن تحققها طفلتها الراحلة
هناك أدرك إدواردو شيئا غير فلسفته ماريا لا تعتني بغابرييل رغم الألم فقط بل تحول ألمها إلى حب وخسارتها إلى عطاء وحدادها إلى معنى
بعد أسبوع تلقى إدواردو اتصالا من مديرة المستشفى الذي عملت فيه ماريا تسأل عن مكانها ظهرت فرصة لمنصب منسقة وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة وكانت ماريا الخيار الأول الراتب ثلاثة أضعاف ما يدفعه إدواردو والمنصب اعتراف مهني مستحق شعر إدواردو بفرح صادق لها وبخوف أن يخسر ما صار غابرييل يملكه معها
وعندما أخبر ماريا لم تفرح كما توقع بدت ممزقة قالت إنها لا تدري إن كانت جاهزة
متابعة القراءة