قصة طفلة باعت البرتقال

لمحة نيوز

البرتقال هنا واجلسي. سأعود حالا.
في المطبخ تحركت بسرعة لم أعهدها منذ سنوات كأنني أوقع صفقة حياة. أعددت شطيرة سميكة وسكبت كوبا طويلا من عصير الفاكهة وأضفت قطعة بروتين.
وبينما أضع الصينية انتابني شعور غريب مزيج من الحماية والذعر.
ماذا أفعل
أنا رجل يوقع عقودا مع بنوك ثلاث دول أعد الطعام لطفلة تبيع البرتقال.
عدت إلى الردهة
وتجمدت في مكاني.
لم تكن جالسة حيث تركتها.
كانت تقف قرب منحنى الدرج أمام طاولة جانبية قديمة
وتحدق في صورة معلقة على الجدار.
تقدمت ببطء وكأن الأرض الرخامية فقدت توازنها تحت قدمي.
كانت صوفيا واقفة أمام صورة مؤطرة بإطار خشبي داكن صورة قديمة التقطت قبل سنوات طويلة لامرأة شابة تبتسم بخجل وهي تقف إلى جواري في أحد مواقع البناء.
لمست الفتاة الإطار بأطراف أصابعها المرتجفة ثم التفتت إلي وعيناها الواسعتان تلمعان بدهشة صافية.

سيدي لماذا لديكم صورة أمي هنا
توقف الزمن.
لم أسمع صوت المكيف ولا خرير النافورة في الخارج ولا حتى دقات قلبي التي كانت تعلو في أذني.
ماذا قلت سألتها وأنا أقترب أكثر.
هذه أمي أنا متأكدة. كانت تعمل هنا منذ سنوات. كانت تحكي لي عن مكان كبير نظيف وعن رجل كان يناديها باسمها ولا يصرخ في وجهها.
شعرت ببرودة تزحف في أطرافي.
اقتربت من الصورة. نعم لم يكن هناك شك.
إيلينا.
امرأة دخلت حياتي في فترة كنت أحاول فيها بناء كل شيء من الصفر. لم تكن عاملة تنظيف عادية كانت أكثر من ذلك. كانت شاهدة على انهياراتي الأولى وعلى نجاحي الأول وعلى وحدتي القاسية.
جلست على أول درجة من السلم وفقدت قدرتي على الوقوف.
كم عمر أمك الآن سألت بصوت خافت.
لا أعرف بالضبط لكنها مريضة منذ فترة طويلة. لم تعد تستطيع العمل. الأطباء قالوا إن العلاج مكلف.
أغمضت عيني بقوة.
إيلينا
لم تختف فجأة كما أخبرني مدير المنزل آنذاك. لم تسافر ولم تتزوج ولم تهجر العمل بإرادتها.
لقد خرجت من حياتي بصمت ومعها جزء من إنسانيتي.
صوفيا قلت أخيرا هل تعيشين قريبا من هنا
هزت رأسها نفيا.
نعيش في شقة صغيرة في أطراف المدينة. أبيع البرتقال بعد المدرسة. أحيانا أبيع الزهور. أحيانا لا أبيع شيئا.
كان هذا هو الوجه الحقيقي للمدينة التي بنيت فيها أبراجي.
الفقر الطفولة المسروقة والعمل المبكر والأم المريضة.
وقفت أخيرا واتجهت نحو مكتبي أخرجت هاتفي واتصلت بأفضل طبيب أعرفه.
أريد فحصا كاملا اليوم قلت دون نقاش.
ثم التفت إلى صوفيا
ستبقين هنا الليلة.
اتسعت عيناها خوفا.
أمي
سنذهب إليها معا.
كانت الشقة صغيرة كما وصفتها لكن رائحتها حملت دفئا افتقدته طويلا.
وعندما فتحت إيلينا الباب لم تتعرف علي في البداية.
لكن نظرتها تغيرت حين نطقت اسمها.
غرانت
كان
صوتها ضعيفا لكنه حقيقي.
في تلك اللحظة سقطت كل الألقاب مليونير رجل أعمال صاحب قصور.
لم يبق سوى رجل واجه نتائج اختياراته.
تحملت كل تكاليف العلاج. لم أعتبره صدقة ولا إحسانا.
كان دينا مؤجلا.
مرت شهور.
تعافت إيلينا تدريجيا.
عادت صوفيا إلى المدرسة. لم تعد تبيع البرتقال في الشوارع بل تحمل حقيبة مدرسية أكبر من جسدها وأحلاما أكبر من القصر.
أما أنا فقد بعت أحد مشاريعي الكبرى.
وحولت جزءا من ثروتي إلى مؤسسة تحمل اسم إيلينا لدعم أطفال العمل المبكر وأمهاتهم المرضى.
لم يعد القصر يبدو كئيبا.
لم تتغير الجدران لكنني تغيرت.
وأدركت أخيرا حقيقة لم تعلمني إياها الصفقات ولا الأرقام
أحيانا طفلة تبيع البرتقال تهدم قصرا من الغرور وتبني إنسانا من جديد.
لم تكن صوفيا مجرد طفلة فقيرة ولم أكن مجرد مليونير ناجح.
كنا شاهدين على حقيقة واحدة
أن الحياة قد تضع الإجابة
على بابك في كيس برتقال رخيص
فإما أن تفتح
أو تظل غنيا فارغا.

تم نسخ الرابط