كان زوجي يُمشّط شعر ابنتنا ذات الثماني سنوات عندما تجمّد فجأة في مكانه

لمحة نيوز


هادئ ومكشوف.
كنت سامعة أزيز محرّك العربية واقف قريب من المدخل، ثابت، مستني.
كل غريزة جوايا كانت بتصرخ: في خطر.
لما دخلت أوضة ليلي، كان ماركوس راكع قدامها، ماسك إيديها، صوته واطي وثابت:
"إنتِ أمان. إحنا هنا. محدش هيقرب."
لكن فكه المشدود فضحه.
هو كمان كان مرعوب.
قعدت جنبهم، حاولت أختار كلماتي:
"يا ليلي، محتاجين تحكيلنا كل حاجة. مهما كانت. محدش هيزعل. إحنا بس لازم نفهم."
عينيها امتلوا دموع في ثانية.
"ما كنتش عايزة أقول…"
بلعت ريقها بصعوبة:
"عشان قال لي ده سر."
انقبض صدري، كأن حد عصره بإيده.
"مين اللي قال كده؟"
قالت اسمه تاني.
نفس الاسم.
والد أحد زمايلها.
راجل اتبادلنا معاه كلام عابر وقت الاستلام والانصراف.
كان دايمًا مبتسم، دايمًا «لطيف».
ودود زيادة عن اللزوم… بس عمرنا ما شكّينا.
سأل ماركوس، وهو بيحاول يسيطر على صوته:
"إيه اللي حصل؟ احكيلي."
قالت، وهي بتبص في الأرض:
"شافني بصلّح شعري جنب الدواليب الأسبوع اللي فات. قال لي يساعدني."
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
"

وبعدين ضغط حاجة على راسي… زي المشط، بس ناشف قوي. وقال لي ما اتحركش."
وانفجرت في العياط:
"وجعتني."
قبض ماركوس إيديه بعنف.
حسّيت الغضب ممكن يخرّبه.
حطّيت إيدي على ذراعه بسرعة قبل ما يقوم.
مسحت ليلي دموعها بكمّها الصغير:
"قال لي إنه بيحب إني هادية…"
الجملة دي ضربتني في قلبي.
غضب.
اشمئزاز.
خوف.
كلهم دخلوا في بعض.
حضنتها بقوة، حضنة أم بتحاول تعوّض الأمان اللي اتسرق منها، وقلت لها مرارًا:
"إنتِ ما غلطتيش. ولا عملتي أي حاجة وحشة. إحنا هنحميك. دايمًا."
وفجأة، ماركوس تجمّد.
عينه علّقت ورايا ناحية الشباك.
أضواء أمامية.
العربية كانت قرّبت شوية.
ما بقتش مركونة.
بقت… مستنية.
مسك ماركوس الموبايل:
"هكلم الشرطة."
أومأت من غير ما أتكلم، وأنا ضامّة ليلي عليّا، حاسة إن قلبي طالع برة صدري.
فضل المُبلِّغ على الخط، وأنا خدت ليلي ونزلت بيها تحت، بعيد عن أي شباك أو باب.
ماركوس وقف يراقب.
عدّى وقت طويل.
أطول من عمره الحقيقي.
لما ظهرت أول دورية، وأضواءها بدأت تومض، العربية انطلقت
فجأة، كأنها كانت مستنية الإشارة، واختفت في ظلمة الشارع.
الضابطين كانوا هاديين، محترمين.
سألوا بدقة ومن غير ضغط.
أخدوا مشبك الشعر.
صوّروا الكدمة الصغيرة في فروة رأس ليلي.
وقالولها أكتر من مرة إنها شجاعة، وإنها عملت الصح.
ولما الهدوء رجع أخيرًا، نامت ليلي بينا على الكنبة.
جسمها صغير ومتعب، بس آمن.
بصّيت لماركوس وقلت بصوت واطي:
"لحقنا الموضوع بدري. وحميناها. دايمًا."
هزّ راسه.
عينه كانت مليانة دموع… بس نظرته حازمة.
والآن، مشاركة القصة دي هنا مهمّة.
مش فضفضة.
مسؤولية.
لأن الآباء محتاجين يتكلموا عن الحاجات اللي الأطفال بتخاف تقولها.
عن الأسرار اللي مش مفروض تكون أسرار.
وإنتَ… لو بتقرأ الكلام ده،
ولو مرّيت قبل كده بلحظة خلت معدتك تهوي من الخوف كأب أو كأم…
في الليالي اللي بعد كده، ما بقيناش بننام بسهولة.
أي صوت برا، أي نور يعدّي على الحيطة، أي حركة غير متوقعة… كانت كفيلة تصحّينا.
مش خوفًا منها،
لكن خوفًا عليها.
اكتشفنا إن الأمان مش باب مقفول ولا بيت منوّر،
الأمان
سؤال بيتسأل في وقته،
وحضن بيتفتح قبل ما الطفل ينهار،
وحدس بنصدّقه حتى لو ما معهوش دليل.
تعلمنا إن الخطر مش دايمًا شكله مرعب،
أحيانًا بيبتسم،
بيسلّم،
وبيسأل على أخبارك.
وإن أسوأ لحظة في الحكاية
مش اللحظة اللي حصل فيها الأذى،
لكن اللحظة اللي الطفل يفكّر فيها يسكت…
علشان حد كبير قال له:
«ده سر».
إحنا ما نقدرش نغيّر العالم،
ولا نمسح كل الأذى من طريق ولادنا،
بس نقدر نعمل حاجة واحدة مهمّة:
نخلّيهم يعرفوا إن صوتهم دايمًا مسموع،
وإن السر اللي يخوّف
مش سر…
ده إنذار.
ليلي دلوقتي بتضحك تاني.
بتلعب، بترسم، وبتنسى أحيانًا.
لكن إحنا ما نسيناش.
مش علشان نعيش في رعب،
لكن علشان ما نغمّضش عينينا تاني.
والقصة دي مش علشان الشفقة،
ولا علشان الغضب،
ولا حتى علشان العدالة —
القصة دي علشان الوعي.
علشان كل أب وأم يقروا السطور دي،
ويسألوا نفسهم قبل فوات الأوان:
هل بسمع ولا بس سامع؟
هل مصدّق إحساسي ولا مكذّبه؟
هل عامل مساحة لابني أو بنتي يحكوا…
ولا مستني الكارثة؟
يمكن ما نقدرش نحميهم
من كل شيء،
لكن نقدر نكون الملجأ اللي يرجعوا له
من غير خوف
ومن غير شك
ومن غير صمت.
وأحيانًا…
ده كفاية.
تمّت

تم نسخ الرابط