ظنّ أنها مجرد عاملة تنظيف

لمحة نيوز

ظن أنها مجرد عاملة تنظيف حتى أنقذت ابنه
لم يكن الغضب الذي عاد به أدريان إلى منزله غضب لحظة بل تراكم أيام طويلة من ضغط لا يعرف كيف يفرغه إلا فيمن هم أضعف منه أغلق الباب خلفه بعنف مكتوم وسار في الممر الرخامي بخطوات سريعة بينما كانت أصابعه تعتصر ورقة مطوية داخل جيب سترته كأنها الدليل الوحيد على أنه ما زال يملك السيطرة على هذا البيت وعلى من فيه 
ناداها بصوت جاف لم يحمل اسمها فقط أمرا 
تعالي 
وقفت المرأة عند طرف غرفة الجلوس لم ترفع عينيها في البداية تعرف هذه النبرة جيدا نبرة من يبحث عن خطأ أي خطأ ليضعه فوق كتفي شخص آخر بدأ حديثه بلا مقدمة راح يسرد ملاحظاته عن الأرضية عن الغبار الذي تخيله فوق الرفوف عن ترتيب لم يرض ذائقته المتقلبة كان يتحدث كمن يفرغ حمولة ثقيلة لا كمن يناقش إنسانا 
ثم قالها أخيرا وكأنها نتيجة منطقية لكل ما سبق 
لن نحتاجك بعد اليوم الليلة آخر ليلة لك هنا 
لم ترتجف شفتاها خوفا على عملها بل انقبض صدرها لسبب آخر تماما فمنذ ساعات الصباح الأولى كان القلق يسكنها بصمت الطفل لم يكن بخير لم يركض كعادته لم يثر ضجيجا ولم يطلب شيئا كان هدوؤه أثقل من الصراخ ونفسه أقصر مما يجب 
حاولت أن تتكلم فتحت فمها ثم أغلقته ثم حاولت مرة

أخرى 
سيدي الصغير
لكن كلمتها سقطت قبل أن تولد قاطعها بإشارة حادة من يده وأدار وجهه عنها 
أنهي ما تبقى من عملك ووقعي الورقة ثم اذهبي 
وقفت للحظة كأنها تحاول أن تختار بين كرامتها وقلقها ثم انسحبت ببطء لا هزيمة في خطوتها بل قرار صامت لم ينطق بعد 
بعد أقل من ساعة رن الهاتف كان الصوت على الطرف الآخر متوترا يعتذر يشرح ظرفا طارئا المربية لن تأتي اليوم 
أغلق أدريان الهاتف بلا تعليق كأن الأمر لا يعنيه مباشرة لكن المرأة التي كانت تهم بجمع أدواتها نظرت إلى الساعة ثم إلى باب الغرفة الصغيرة في نهاية الممر شعرت بشيء يشبه القبضة يلتف حول قلبها 
دخلت الغرفة دون أن تستأذن أحدا كان الهواء ثقيلا والستائر مسدلة والطفل ممددا فوق السرير بعينين نصف مفتوحتين جبينه مشتعل وأنفاسه متقطعة ويداه صغيرتان أكثر مما ينبغي لطفل يحارب الحمى وحده 
لم تفكر طويلا فتحت النافذة قليلا بدلت الغطاء بللت قطعة قماش ووضعتها على رأسه جلست قربه تحدثت بصوت خافت ليس ليجيب فقط ليسمع حكت له حكاية لا بداية واضحة لها ولا نهاية فقط لتشغله عن الألم حين مد يده المرتجفة لم تتردد أمسكتها كما تمسك الأمهات خوفا صغيرا قبل أن يكبر 
مرت الساعات بطيئة لم تعد عاملة تنظيف ولم تكن موظفة
مفصولة كانت إنسانة أمام طفل مريض ولا شيء آخر في العالم كان أهم من ذلك 
حين عاد أدريان في ساعة متأخرة كان التعب قد أكل من ملامحه لكن شعور الرضا الزائف ما زال يسكنه صعد الدرج وهو يفكر في يوم الغد في اجتماعاته في كل شيء إلا الغرفة في نهاية الممر 
فتح الباب وتوقف 
لم يكن المشهد صاخبا ولا دراميا كما في الأفلام لكنه ضربه بقوة لا تشبه الضربات المعتادة كانت المرأة جاثية قرب السرير بملابسها البسيطة نفسها تميل بجسدها قليلا تراقب تنفس الطفل تعدل الغطاء بحذر مبالغ فيه كأن أي حركة خاطئة قد تكسره 
والطفل كان ضعيفا شاحب الوجه لكن يده الصغيرة كانت متشبثة بيدها بثقة مطلقة كأن تلك اليد هي الشيء الوحيد الثابت في عالمه 
في تلك اللحظة انزلقت ورقة الفصل من جيبه وسقطت على الأرض بصمت لكنه لم يرها كان ينظر فقط يشعر بشيء يضغط على صدره دون اسم 
لم يسمع الكلمات التي همست بها للطفل لكنها وصلت إليه كاملة 
لا تخف أنا هنا 
وكانت تلك الجملة دون أن تدري أول شرخ حقيقي في جدار بناه حول نفسه لسنوات 
وقف أدريان عند العتبة لا يتقدم ولا يتراجع شعر وكأنه دخل مشهدا لا يخصه غرفة من حياته لم يكن مدعوا إليها لم يكن الغضب حاضرا ولا الكبرياء بل إحساس ثقيل بالعجز
كأنه اكتشف فجأة أن كل ما ظنه صلابة لم يكن إلا فراغا متقن التغليف 
تحرك الطفل قليلا تمتم بشيء غير مفهوم فمالت المرأة أكثر وضعت يدها على صدره لتشعر بانتظام أنفاسه ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة مطمئنة كما لو كانت تطمئن نفسها بقدر ما تطمئنه لم تلاحظ وجوده إلا بعد لحظات 
رفعت رأسها فجأة وارتبكت نهضت بسرعة كأنها تذكرت فجأة موقعها الحقيقي في هذا البيت 
سيدي لم أكن
قاطعها بصوت أخف مما اعتاد 
كيف حاله
تفاجأت بالسؤال وكأنها لم تتوقع أن يسأل أحد عن حال الطفل أصلا تمالكت نفسها وقالت 
الحرارة مرتفعة منذ الصباح تنفسه كان صعبا لكنه تحسن قليلا بعد الكمادات والماء لم أتركه وحده 
سكت لحظة ثم أضافت بصوت أقل ثباتا 
كنت سأغادر لكنني لم أستطع 
تعلقت العبارة في الهواء بينهما 
لم أستطع 
كانت بسيطة لكنها كشفت كل شيء كان بإمكانها أن ترحل كان من حقها لم يعد هذا عملها لكنها بقيت 
اقترب أدريان من السرير جلس ببطء وكأن الحركة نفسها اعتراف وضع يده على جبين ابنه فشعر بالحرارة تحرق كفه ارتجف داخله كم مرة لمس هذا الجبين من قبل كم مرة جلس هكذا دون هاتف دون استعجال
فتح الطفل عينيه بصعوبة وبصوت متكسر قال 
أبي
لكن نظرته لم تتجه إليه مباشرة بل
بحثت أولا عن يد المرأة وحين وجدتها تشبث
تم نسخ الرابط