الجميع خاف منها إلا هو الحقيقة المرعبة خلف الفتاة التي أخفت سرّ الأفعى

لمحة نيوز

كان الليل يثقل على غرفة آداورا كأن الظلام وضع كفه فوق صدرها.
لم يكن ثقل الليل مجرد غياب للضوء بل حضورا خانقا كأن العتمة كائن واع تمدد في الأركان يراقب أنفاسها ويعدها. خلف الجدران كانت أصوات الطبيعة تؤدي طقوسها الأبدية صراصير الليل تكرر نغمتها القديمة بلا ملل والريح تمر بين أوراق شجرة المانجو العتيقة فتجعلها تحتك ببعضها كأنها تتشاور. أما داخل الغرفة فكان الجسد ممددا فوق الفراش لكن الروح بعيدة تائهة في مكان لا يشبه العالم.
في نوم مضطرب وجدت آداورا نفسها واقفة على أرض باردة عارية القدمين وسط غابة لا تنتمي لزمن. الضباب ينساب بين الجذوع كحبر فضي يلمع ويخفت في آن واحد والهواء نفسه بدا حيا يلامس الجلد وهمسات خفية تتحرك داخله كأن أنفاسا غريبة تتبادل الأسرار.
تقدمت خطوة ثم أخرى حتى توقفت أمام ماء راكد لا تعكره نسمة. بركة ساكنة إلى حد غير طبيعي كأن الزمن اختار أن يتجمد فوق سطحها. انحنت ببطء وحين حدقت لم تجد نفسها كما تعرفها. كان الانعكاس يحدق إليها ببرود عينان ضيقتان بلون أصفر قاس لا تحملان رحمة ولا دهشة بل معرفة أقدم منها.
تراجع قلبها وقبل أن تصرخ تحرك الضباب.
خرجت منه امرأة.
لم تحتج آداورا إلى اسم. عرفت. كانت الملامح مألوفة حد الألم الوجه الانحناءة الخفيفة في الكتفين ذلك الحزن المقيم حول الفم. ثوب أبيض بلا زينة قدمان حافيتان تلامسان الأرض دون أثر وبشرة شاحبة كأن الحياة غادرتها منذ زمن.
قال الصوت خافتا لكنه نافذ
يا آداورا السيطرة ليست خيارا بل نجاة.
ارتجفت.
أرجوك لا أريد هذا.
اقتربت المرأة ولم تكن خطواتها تسمع.
الدم لا ينسى. ما يسري في عروقك ليس عيبا بل عهد قديم. إن ترك ليستيقظ دون قيد فلن يعود إلى سباته.
شهقت آداورا وكأن الهواء أصبح أقل.


أريد حياة عادية. لا أسرار لا خوف لا علامات.
مر الصوت حولها كريح تمر عبر تجاويف شجر ميت
العادية ليست قدرك. القوة تختار أوعيتها بعناية. وأنت ولدت تحت العلامة.
اهتزت الأرض.
من الظلال انسلت أفاع بألوان لا تنتمي للطبيعة ذهب بارد فضة تلمع أجسادها تلتف وتتصاعد حراشفها تعكس ضوءا يشبه القمر. أحاطت بساقيها ثم ارتفعت لا تعض بل تحتضن كأنها تعود إلى موطنها.
صرخت آداورا بكل ما تبقى فيها
لا! ابتعدوا عني!
وانقطع الحلم.
انتفضت من النوم وهي تلهث صدرها يعلو ويهبط بعنف والعرق يبلل الملاءة. قبضت على ذراعيها محاولة أن تثبت نفسها في الواقع ثم تجمدت.
تحت الجلد تحركت خطوط دقيقة خضراء باهتة كأن ضوءا ضعيفا يسري في عروقها.
همست بذعر
لا ليس الآن.
شبكت كفيها وبدأت تردد لحنا قديما كلمات لا تنتمي للغة معروفة دعاء تناقلته النساء في سلالتها كما يتناقل الاسم. شيئا فشيئا خفت الضوء وتلاشت العلامات لكن الارتجاف بقي أعمق من أن يسكته النسيان.
مع الصباح لم يكن الهدوء حاضرا.
المدرسة التي اعتادت الضجيج كانت تعج بالهمسات.
سمعتم ما حدث
يقولون إنها سقطت مغشيا عليها.
بل رأوها عيناها تغير لونهما.
انتشرت الشائعات كمرض سريع العدوى لا يحتاج إلى دليل. وحين تغيب الحقيقة يتكفل الخوف بالباقي.
وصلت الأحاديث إلى إيميكا دون أن يسعى إليها. حاول تجاهلها لكن القلق تسلل حين دخل الصف ورأى المقعد فارغا. كان فراغا أثقل من الغياب.
خلال الاستراحة لمحها تسير وحدها نحو البوابة كما لو أن الجموع غير موجودة. ملامحها شاحبة خطواتها مترددة كأنها تقاوم حملا لا يرى.
ناداها
آداورا!
توقفت لكنها لم تلتفت.
قال محاولا أن يبدو طبيعيا
أنا آسف. لم أقصد
قاطعته بنبرة مرهقة
ليس ذنبك.
خرج السؤال منه قبل أن يمنعه
إذن
لماذا تبتعدين عن الجميع مم تهربين
ساد صمت ثقيل. ثم استدارت ببطء. في عينيها لمعان غامض لا هو خوف خالص ولا حزن كامل بل تحذير.
قالت
لن تفهم.
أجاب مفاجئا نفسه
إذن علميني.
للحظة كادت الدموع تفضحها.
أنت طيب والطيبة لا تنجو بقربي.
ثم مضت وتركته مع كلمات لم يعرف كيف يحملها.
وفي المساء عادت آداورا إلى بيت يفيض بالسكون. الأم غائبة والجدة وحدها تحرك قدور الأعشاب تتمتم بما يشبه الصلاة.
رفعت العجوز رأسها وقالت بهدوء يعرف أكثر مما يقول
الأحلام عادت.
لم تنكر آداورا.
قالت الجدة وصوتها صار أثقل
الاقتراب بدأ. والقوة لا تحب الانتظار.
وفي تلك اللحظة لم تكن آداورا تعرف أن هذه الليلة لم تكن سوى العتبة الأولى وأن القدر حين يبدأ لا يعود أدراجه.
مرت الأيام التالية ببطء ثقيل كأن الزمن نفسه صار يراقبها بحذر. كانت آداورا تستيقظ كل صباح وهي تشعر بأن جسدها ليس كله لها بأن شيئا ما يتحرك في أعماقها يختبر حدود الصمت والطاعة. لم تعد الأحلام تأتي متفرقة صارت أكثر انتظاما أكثر وضوحا وأشد قسوة. لم تعد ترى الضباب فقط بل تسمع نداء خافتا اسما ينطق دون فم يتردد في داخلها كصدى لا يشيخ.
في المدرسة تغير كل شيء دون أن يقال شيء صريح. العيون تلاحقها ثم تنسحب المقاعد تبتعد عنها تلقائيا والضحكات تخفت حين تمر. لم يعد الأمر شائعات فحسب بل حدسا جماعيا بأن آداورا تحمل شيئا لا ينبغي الاقتراب منه. الخوف حين يتجذر لا يحتاج إلى دليل.
إيميكا وحده لم يتراجع.
كان يراها من بعيد يلاحظ توترها انقباض أصابعها تلك اللحظات القصيرة التي تشرد فيها كأنها تسمع صوتا لا يسمعه سواها. حاول أن يكلمها مرارا لكنها كانت تنسحب قبل أن تكتمل الكلمات كأن الهروب صار غريزة.
في المساء حين يعود الهدوء إلى البيت كانت
الجدة تجلس قرب الموقد تنقي الأعشاب وتراقب النار بعين تعرف لغة اللهب. لم تكن تسأل كثيرا كانت تنتظر اللحظة التي تختار فيها الحقيقة أن تتكلم.
قالت ذات ليلة
القوة لا تكبر وحدها. الخوف يغذيها.
ردت آداورا بمرارة
وأنا تعبت من الخوف.
نظرت الجدة إليها طويلا.
التعب ليس نهاية الطريق. الاستسلام هو النهاية.
لم تفهم آداورا الفرق حينها.
في إحدى الليالي استيقظت على إحساس حاد كأن يدا باردة انغلقت حول قلبها. لم يكن حلما هذه المرة. جلست تلهث ووضعت كفها على صدرها. تحت الجلد كان الضوء يعود أقوى أعمق أكثر جرأة. حاولت الدعاء لكن الكلمات تعثرت واللحن القديم خرج مكسورا.
ومن أعماق الصمت جاءها الصوت.
ليس صوت أمها ولا همس الجدة.
كان أقدم.
كفانا انتظارا.
شهقت وهمست
من أنت
أنا ما بقي منك حين خفت أن تكوني نفسك.
ارتجف جسدها كله. شعرت بشيء يلتف داخلها لا كعدو بل كرفيق صبور سئم السكون. لم يكن شرا خالصا لكنه لم يكن رحيما. كان قوة خاما إرثا لعنة وهدية في آن.
في اليوم التالي غابت عن المدرسة.
إيميكا شعر بالفراغ قبل أن يراه. ذلك القلق البارد عاد أقوى من المرة السابقة. وحين سأله أحد المعلمين إن كان يعرف عنها شيئا أدرك أن الغياب هذه المرة مختلف.
بعد انتهاء الدوام لم يتردد. حمل مظلته وسار نحو أطراف البلدة حيث يبدأ الصمت ويثقل الهواء. كان بيت آداورا يلوح بين الأشجار معتما أكثر من المعتاد كأن الضوء يتجنبه.
لاحظ الباب نصف المفتوح.
نادى فلم يجبه أحد.
دخل.
الهواء في الداخل كان مشبعا برائحة الأعشاب والدخان خليط حاد يشبه الأرض بعد المطر. سمع الصوت فحيحا منخفضا متقطعا لا ينتمي لصدر إنسان.
قادته قدماه دون وعي.
في الغرفة رأى ما لم يكن مستعدا لرؤيته.
كانت آداورا على الأرض ركبتاها
مطويتان جسدها يرتجف بعنف. كانت تمسك ذراعيها كأنها تحاول تثبيتهما والضوء الأخضر ينبض
تم نسخ الرابط