الجميع خاف منها إلا هو الحقيقة المرعبة خلف الفتاة التي أخفت سرّ الأفعى
المحتويات
تحت جلدها بإيقاع حي. عيناها لم تكونا عينيها بالكامل. لون ذهبي غريب يحيط بالحدقتين نظرة ممزقة بين الوعي والضياع.
وعلى الأرض كانت ظلال تتحرك. أفاع صغيرة شبه شفافة تنسل وتلتف ثم تختفي كأنها أفكار اتخذت شكلا.
شهق
آداورا!
رفعت رأسها بذعر.
اخرج! حالا!
صوته خرج مبحوحا
ماذا يحدث لك
انكسرت.
أنا أفقد السيطرة لا أستطيع إيقافه.
تحول صوتها للحظة إلى فحيح خشن وظهرت تموجات دقيقة على عنقها قبل أن تختفي. الرعب في عينيها كان حقيقيا إنسانيا لا يشبه الأساطير التي يخشاها الناس.
كان يجب أن يهرب.
لكنه لم يفعل.
تقدم خطوة.
انظري إلي. تنفسي.
هزت رأسها بجنون.
سأؤذيك.
مد يده رغم ذلك.
وحين تلامست أناملهما اندفع شيء لا يرى. انحنت ألسنة الشموع ارتجف الهواء ثم بدأ الضوء يخفت كأن وجوده منح القوة مرساة.
هدأ جسدها تدريجيا وسقطت بين ذراعيه منهكة باكية بشرية.
بقي ممسكا بها كأن الإفلات يعني ضياعها.
همست بصوت مكسور
الآن أنت تعرف.
قال بهدوء لا يعرف من أين جاء
ما زلت أنت.
أغلقت عينيها.
أنا ملعونة.
شد ذراعيه حولها.
إذن لست وحدك بعد الآن.
وفي تلك اللحظة تحرك القدر خطوة أخرى إلى الأمام.
لم يكن ذلك الاحتضان مجرد فعل عاطفي بل كان كسرا لقانون قديم. شعرت آداورا بشيء ينكسر في داخلها ليس عظما ولا لحما بل حاجزا ظل قائما منذ ولادتها. للمرة الأولى لم تحاول دفع القوة بعيدا ولم تستسلم لها أيضا. تركتها تتنفس تحت المراقبة.
حين فتحت عينيها كان الضوء قد انحسر لكن أثره بقي كنبض عميق. نظرت إلى إيميكا وكأنها تراه للمرة الأولى لا كخطر محتمل بل كاختيار.
انسحب ببطء مترددا.
هل هل أنت بخير
أومأت رغم الارتجاف.
لا أعلم إن كان هذا يسمى بخير لكنني ما زلت هنا.
في تلك الليلة عادت الجدة ماما نغوزي قبل موعدها. دخلت البيت
قالت بصوت خافت
إذن لم يعد بالإمكان التأجيل.
وقف إيميكا مرتبكا.
سيدتي أنا
قاطعته بابتسامة متعبة.
لا تشرح. الأفعى لا تسمح للغرباء بالاقتراب. وجودك هنا جواب كاف.
جلست قرب الموقد وأشعلت نارا جديدة ثم أشارت لآداورا أن تقترب.
ما حدث اليوم ليس انهيارا بل بداية التحول. روح الأفعى لم تعد نائمة لكنها لم تكتمل بعد.
ابتلعت آداورا ريقها.
وماذا يعني هذا
رفعت الجدة رأسها.
يعني أن الأسطورة القديمة تفتح صفحة جديدة.
في الأيام التالية بدأت العلامات تظهر خارج الجدران. أضواء خضراء ترى ليلا قرب البيت حيوانات ترفض الاقتراب وأحلام مشتركة بين نساء القرية عن أفعى تلتف حول ينبوع قديم. الخرافة حين تجد غذاءها تنمو أسرع من الحقيقة.
بدأ الناس يتهامسون باسمها لا كفتاة بل كرمز.
فتاة الأفعى.
الملعونة.
حارسة ما لا يجب أن يفتح.
وفي إحدى الأمسيات جاء الخوف علنا.
اجتمع رجال عند أطراف الأرض مشاعلهم تضيء وجوها قاسية.
هذا ليس طبيعيا.
إنها خطر.
يجب تطهير المكان.
سمع إيميكا الأصوات أولا فاندفع إلى الداخل.
آداورا الوقت ليس في صالحنا.
وقبل أن يتحركا تحطم زجاج نافذة ودخل حجر مشتعل. امتدت النار سريعا وتصاعد الدخان.
تقدمت الجدة بثبات غير متوقع.
هذه ابنتي. ولن تمسوها.
ضحك أحدهم بمرارة.
رأينا عينيها. لسنا أغبياء.
ارتفع الهتاف واشتعلت النار أكثر.
وضعت آداورا يدها على رأسها. داخلها نهضت القوة دفعة واحدة غاضبة جائعة.
إن تركتها سأفقد نفسي.
أمسك إيميكا وجهها بين كفيه.
انظري إلي.
كانت الفوضى تصرخ من حولهما لكن صوته وصل.
لست وحدك. لا الآن.
ارتجف جسدها وظهرت الحراشف بوضوح
انفجر الضوء.
لم يكن انفجارا مدمرا بل فيضا. انطفأت النيران وسقط الرجال أرضا كأن ثقلا غير مرئي ركعهم. ساد صمت كثيف.
خرجت آداورا إلى الساحة.
كانت واقفة بلا أذى عيناها تتوهجان بذهب عميق حضورها يفرض نفسه دون تهديد.
قالت بصوت هادئ قديم
لست عدوتكم. ما أحمله عبء لي لا لكم. لكن الخوف لا يمنحكم الحق في الحرق.
لم يجب أحد.
انسحبوا واحدا تلو الآخر تاركين خلفهم صمتا أثقل من الصراخ.
بعد تلك الليلة تغير كل شيء.
لم تعد آداورا تختبئ. لم تعد الأفعى تفور بلا نظام. صار بينهما توازن هش قائم على الوعي لا القمع. وفي الليالي المكتملة حين يشتد النبض كان إيميكا يجلس قربها يذكرها باسمها بضحكتها بإنسانيتها.
لكن السلام لم يكن كاملا.
قالت له ذات مساء تحت شجرة المانجو
الحب له ثمن.
أجاب دون تردد
سأدفعه.
ارتجفت.
قد تحتاج الأفعى حياة.
أمسك يدها.
فلتأخذ خوفي بدلا من حياتي.
ابتسمت والدموع في عينيها.
للمرة الأولى خرخرت الأفعى داخلها لا بفحيح بل برضا.
وفي ليلة ميلادها السابع عشر ارتفع القمر أحمر وبدأت الجدة ترتل.
لم تكن النهاية قد كتبت بعد.
لكن آداورا أخيرا لم تعد تهرب منها.
لم يكن الألم هو أول ما شعرت به آداورا بل الدهشة.
دهشة الجسد حين يكتشف أن حدوده لم تعد ثابتة وأن الجلد الذي اعتاد أن يكون مأوى صار نافذة تعبر منها أشياء لا اسم لها. كانت ممددة على الحصير ظهرها مقوس كقوس مشدود وأنفاسها تتكسر في صدرها كأمواج مضطربة بينما الضوء يتسلل تحت جلدها كما لو أنه يبحث عن مخرج.
لم يكن ضوءا يشبه ضوء الصباح ولا لمعان نار. كان شيئا بينهما وهجا حيا نابضا يتنفس معها ويقاومها في الوقت نفسه. ومع كل ارتجافة كانت الظلال
ركع إيميكا بجانبها ولم يفكر. لم يسأل نفسه إن كان عليه الهرب أو الصراخ أو استدعاء أحد. مد يده فقط وأمسك كفها المرتجف.
أنا هنا.
قالها كما لو كانت حقيقة كونية لا تحتاج إلى دليل. لكن جسد آداورا لم يسمع الكلمات. صرخة حادة انفلتت من حنجرتها وتشنجت عضلاتها فجأة فظهرت على ذراعيها علامات لم تكن بشرية لمعان قاس طبقات دقيقة تشبه القشور كأن جلدها يتذكر أصلا أقدم من الذاكرة.
وفي الضوء المتصاعد بدا شعرها كأنه يصهر يتحول إلى خيوط ذهبية حية تتماوج مع كل حركة.
صرخت الجدة من مكانها القريب وصوتها يحمل بقايا قرون من الحكايات
لا تقاوميها! إن قاومتها مزقتك! اقبليها!
فتحت آداورا عينيها. لم تكن عينا فتاة خائفة بل نظرة شرسة متوهجة كأن نارا قد أشعلت خلف حدقتيها.
لا أستطيع!
خرجت الكلمات مكسورة محملة بعمر كامل من الرعب. كانت اللعنة أو ما ظنته لعنة تثور في داخلها لا كوحش يريد الفتك بل كقوة تطالب بالاعتراف.
اقترب إيميكا أكثر. لم يرفع صوته. لم يتراجع.
تستطيعين همس.
أنت أقوى من هذا الخوف أقوى من الاسم الذي ألصقوه بك.
ثم فعل ما لم يفعله أحد من قبل. لم يحاول السيطرة ولم يستدع تعويذة ولم يطلب من الظلام أن يختفي. وضع جبهته على جبينها وكأن المسافة بين إنسانين يمكن أن تكون جسرا يعبر فوق اللعنة نفسها.
في تلك اللحظة انفجر كل شيء.
ليس انفجار دمار بل عاصفة من نور وصوت وطاقة. الهواء ارتج الأرض اهتزت والظلال التي كانت تتلوى تلاشت كما لو أنها لم تكن سوى أفكار عابرة. ساد صمت مفاجئ صمت ثقيل كأن العالم توقف ليلتقط أنفاسه.
وعندما خفت الوهج كانت آداورا ممددة بلا حراك.
اختفت الحراشف. عاد جلدها
جلست ببطء تلهث كأنها تعلمت التنفس من جديد.
إنه هادئ تمتمت.
الصوت اختفى.
اقتربت الجدة
متابعة القراءة