قصة فتاة أحبت رجلًا أكبر منها… وانتهى اللقاء بكارثة غير متوقعة
قصة فتاة أحبت رجلا أكبر منها وانتهى اللقاء بكارثة غير متوقعة
لم أكن أؤمن يوما بأن القصص التي تروى للتحذير تحدث فعلا تلك التي تبدأ هادئة ناعمة وتختم بكارثة لا ينجو منها أحد. كنت أظنها مبالغات حكايات تصنع لإخافة الفتيات أو لإشباع فضول القراء. إلى أن وجدت نفسي في قلب إحداها لا كشاهدة بل كبطلة لم تطلب هذا الدور.
اسمي لينا. أبلغ عشرين عاما أدرس التصميم في عامي الجامعي الأخير. كثيرا ما سمعت أنني أبدو أكبر من سني أكثر هدوءا أقل اندفاعا. لم أكن أعرف إن كان ذلك مدحا أم وصفا لحقيقة تشكلت قسرا. نشأت مع أمي وحدها امرأة تعلمت الصلابة مبكرا ودفعتني منذ طفولتي لأن أكون قوية مستقلة لا أعلق قلبي على وعود الآخرين.
غاب أبي عن حياتنا وأنا صغيرة. لم يكن حاضرا في الذكريات ولا في الصور ولا حتى في الأسئلة. كانت أمي تتجنب الحديث عنه وكأن الصمت كان طريقتها الوحيدة للبقاء. كبرت وأنا أتعلم أن بعض الفراغات لا تملأ بل يتعايش معها.
في سنتي الجامعية الثالثة شاركت في مشروع تطوعي في مدينة غوادالاخارا. كان الهدف بسيطا دعم مبادرات فنية للأطفال في الأحياء الفقيرة. هناك التقيت برجل سيغير مسار حياتي دون أن أدري.
كان اسمه سانتياغو.
منسق الشؤون اللوجستية للمشروع رجل في منتصف الأربعينيات هادئ الحضور لا يرفع صوته ولا يكثر من الكلام. لم يكن يشبه الرجال الذين عرفتهم من قبل. لم يسع للفت الانتباه ولم يحاول أن يبدو أصغر من عمره. كان مختلفا وهذا الاختلاف
في البداية لم أره إلا كزميل. شخص يعتمد عليه يعرف كيف يدير الأمور دون فوضى. لكن الأيام بخبثها المعتاد بدأت تغير المسافات. صرت ألاحظ صوته أكثر مما ينبغي طريقته في الإصغاء اختياره للكلمات. كنت أشعر للمرة الأولى أن هناك من يراني حقا لا كفتاة صغيرة بل كإنسانة كاملة.
كان فارق العمر واضحا. أكثر من عشرين عاما تفصل بيننا. وكنت واعية لذلك تماما. حاولت إنكار ما ينمو داخلي لكن المشاعر لا تطلب الإذن. تتسلل بهدوء وتستقر حيث لا نتوقع.
حياته كما أخبرني لاحقا لم تكن سهلة. عمل مستقر تجربة زواج انتهت بالفشل ولا أطفال. حين يسأل عن الماضي كان يختصره بجملة واحدة
فقدت شيئا مهما ومنذ ذلك الحين قررت أن أعيش بصدق فقط.
لم يزد. ولم أضغط. بدا لي ذلك نضجا لا هروبا.
نشأت علاقتنا ببطء دون صخب دون وعود كبيرة. لم تكن قصة حب صاخبة بل علاقة هادئة تبنى على الاحترام والحدود الواضحة. كان حذرا وكأنه يخشى أن يؤذي شيئا هشا دون قصد. أما أنا فكنت أعيش سلاما لم أعرفه من قبل.
لم أهتم بالهمسات. لم أبال بنظرات الاستغراب. كنت أقول لنفسي إن النضج لا يقاس بالأعمار وإن القلب لا يعرف الأرقام. كنت أصدق ذلك أو أردت أن أصدقه.
ذات مساء وبعد أشهر من الصمت المتفاهم قال لي بهدوء أربكني
أريد أن ألتقي بوالدتك. لا أحب العلاقات المختبئة.
تجمد شيء في داخلي. لم يكن خوفا منه بل من التصادم بين عالمين. أمي لم تكن سهلة. امرأة عاشت كثيرا وخسرت أكثر وتعلمت ألا
في اليوم المحدد شعرت بأن خطواتي أبطأ من المعتاد. كأن الأرض نفسها تحاول تنبيهي. كان يسير بجانبي بصمت يحمل باقة من أزهار القطيفة تلك التي أخبرته سابقا أنها المفضلة لدى أمي. لم أسأله كيف تذكر. لم أعلق. فقط شعرت بانقباض غامض في صدري.
وصلنا إلى منزلنا القديم في تلاكباكي. باب خشبي شهد طفولتي أحزاني الأولى وأحلاما لم تكتمل. لم أكن أعلم أن هذا الباب تحديدا سيفتح على سر خطير وأن ما ينتظرنا خلفه لم يكن لقاء تعارف بل بداية صدمة ستقلب كل شيء.
في الحديقة كانت أمي تسقي النباتات كما تفعل كل مساء بعناية تشبه الطقوس. رفعت رأسها حين سمعت خطواتنا.
وفي تلك اللحظة تغير كل شيء.
تصلبت ملامحها انحبس النفس في صدرها وسقط خرطوم الماء من يدها دون أن تشعر. لم تقل كلمة. لم تتحرك. فقط نظرت إلى سانتياغو نظرة من يرى شبحا خرج من قبر الذاكرة.
شحب وجهها وارتجفت شفتاها وكأن اسما قديما يحاول الخروج من أعماقها اسم دفنته منذ زمن بعيد.
أما أنا فوقفت عاجزة لا أفهم لماذا أصبح الهواء ثقيلا فجأة ولماذا شعرت بأن الحقيقة تقترب بخطوات بطيئة لكنها حاسمة.
لم تكن النظرة التي تبادلتها أمي مع سانتياغو عادية. لم تكن دهشة لقاء غريب ولا حيرة تعارف أول مرة. كانت نظرة مشبعة بالذاكرة ثقيلة بالاعتراف نظرة من يرى زمنا كاملا ينهض أمامه دفعة واحدة.
تراجع سانتياغو خطوة وكأن
ثاليا
ارتجف الاسم في الهواء. رأيت أمي تغمض عينيها لثوان ثم تفتحهما ببطء. لم تبك فورا بل وقفت ساكنة وكأنها تحاول التأكد أن قلبها لا يخونها. وحين تكلمت لم يكن صوتها صوت امرأة تستقبل ضيفا بل صوت ماض استيقظ رغما عنه
بعد كل هذه السنوات ظننت أنك اختفيت إلى الأبد.
كنت أتابع المشهد كمن يشاهد قصة مأساوية لا تخصه لكن اسمي كان حاضرا فيها. لم أفهم بعد لكن الخوف بدأ يتسلل إلي. ذلك النوع من الخوف الذي لا يحتاج تفسيرا خوف الإحساس بأن الحقيقة ليست في صالحك.
ساد صمت طويل. لم يقطعه سوى حفيف أوراق الأشجار وكأن الطبيعة وحدها تجرأت على الحركة. ثم أشارت أمي إلى الكرسي الخشبي في الحديقة وجلست وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حمل هذا الثقل.
قالت دون أن تنظر إلي
لينا هناك أشياء لا نرويها لأننا نحب الكذب بل لأننا نخشى أن نهدم بها كل شيء.
اقتربت خطوة قلبي يخفق بعنف. سألتها بصوت خرج أضعف مما توقعت
أمي ماذا يحدث كيف تعرفين سانتياغو
نظرت إلي أخيرا. كانت عيناها محملتين بندم قديم ندم لم يبدأ اليوم. قالت ببطء وكأنها تنتزع الكلمات من صدرها
عرفته قبل أن تخلقي. قبل أن أكون أمك.
شعرت بدوار خفيف. التفت إلى سانتياغو فوجدته شاحبا عيناه زائغتان وكأنه هو الآخر يعود قسرا إلى زمن ظن أنه نجا منه.
بدأت أمي تحكي.
قالت إنها حين كانت شابة طالبة في معهد تقني في غوادالاخارا