طـرد زوجـته الحـامـل لأنـها تـحـمل بنـتًا
لم تكن سلمى تتخيل أن الزواج الذي دخلته بقلب مفتوح وأحلام بسيطة يمكن أن يتحول بهذه السرعة إلى محكمة قاسية يدان فيها الجسد قبل الروح ويحاسب الرحم على ما لم يختره.
في البيت الصغير عند أطراف المدينة حيث الجدران رقيقة كأنها تسمع الهمس جلست سلمى على طرف السرير تضع يدها على بطنها المنتفخ قليلا. كانت في شهرها الخامس والحياة تنبض تحت كفها بحركات خفيفة كأن الجنين يطرق باب الوجود في خجل.
قال الطبيب صباح ذلك اليوم بصوت عادي لا يحمل نبوءة ولا لعنة
مبروك الجنين أنثى.
كلمة واحدة لكنها حين وصلت إلى أذن زوجها محمود صارت سكينا.
عاد محمود إلى البيت متغير الملامح. لم يلق التحية. لم ينظر إلى بطنها. خلع حذاءه بعنف وجلس صامتا صمتا أثقل من الصراخ.
سألته سلمى بخوف حاولت إخفاءه
مالك
رفع رأسه ببطء وفي عينيه شيء لم تعرفه من قبل. شيء بارد غريب.
الدكتورة قالت إيه
ترددت لحظة ثم ابتسمت ابتسامة واهنة
قالت بنت بس المهم إنها بصحة كويسة.
لم تكتمل الجملة.
قام محمود فجأة كأن نارا اشتعلت تحته.
بنت
ضحك لكن ضحكته لم تكن ضحكة. كانت احتقارا صافيا.
يعني بعد كل اللي استنيته تجيبي لي بنت
تجمدت سلمى.
أنا ما باختارش ربنا
قاطعها بصوت حاد
ما تجيبيش سيرة ربنا! أنا كنت واضح من الأول. أنا عايز ولد. اسم العيلة. الوريث.
اقترب منها خطوة.
نظرت إليه بعينين
دي بنتك حتة منك.
ارتسمت على وجهه ابتسامة ملتوية.
بنت دي مش بنتي. أنا مالي ومال الخلفة الناقصة.
في تلك اللحظة شعرت سلمى أن الجدار خلفها أضيق وأن الهواء نفسه صار ثقيلا. حاولت أن تتماسك. قالت بصوت مكسور
أنا مراتك وحامل
قال ببرود جارح
وما عدتيش تنفعي.
سقطت الكلمات عليها كالحجارة.
إيه
أدار ظهره واتجه إلى الخزانة فتحها بعصبية وأخرج حقيبة قديمة. رماها عند قدميها.
اجمعي هدومك.
شهقت.
محمود انت بتهزر
التفت إليها بعينين قاسيتين.
لا. أنا مش مستعد أصرف على واحدة جايبة لي عار. بنت! الناس تقول إيه
وقفت بصعوبة بطنها تشدها إلى الأمام قلبها يسحبها إلى الخلف.
أروح فين
رد بلا تردد
ارجعي لأهلك. أو نامي في الشارع. مش مشكلتي.
تقدمت خطوة حاولت أن تمسك يده.
حرام عليك دي روح. دي أمانة.
سحب يده كأنها ملوثة.
برا. قبل ما أندم إني خليتك لحد دلوقتي.
فتح الباب.
الليل كان قد نزل والبرد يزحف.
وقف صامتا ينتظر.
نظرت سلمى حولها.
هذا البيت الذي دخلته عروسا ضحكت فيه رتبت زواياه حلمت فيه بطفل يطردها الآن بلا رحمة.
أمسكت الحقيبة.
خطت خطوة واحدة خارج الباب.
قالت بصوت منخفض كأنها تكلم نفسها
ربنا شاهد.
أغلق الباب خلفها.
لم تسمع صوت الأقفال لكن قلبها سمعه.
وقفت في الشارع تحت ضوء مصباح شاحب تحتضن بطنها بيديها الاثنتين.
همست لطفلتها
ما تخافيش ماما هنا.
كانت لا تملك مالا ولا مأوى ولا حماية.
لكنها كانت تملك شيئا لم يدرك محمود قيمته بعد
أمومة لا تطرد.
وكان ذلك الطرد
بداية طريق طويل
سيعيد تعريف القوة
ويعلم الجميع
أن من يحتقر البنات
يهزم على أيديهن.
خرجت سلمى إلى الشارع والباب يغلق خلفها كأنما أغلقت صفحة من حياتها بلا رجعة.
كان الليل قد بسط عباءته والبرد يتسلل إلى أطرافها بينما حقيبتها الخفيفة تبدو أثقل من قدرتها على الاحتمال. لم تحمل معها سوى بعض الملابس وأوراق الزواج وجنين لم ير النور بعد لكنه صار ذنبا في نظر أبيه.
سارت بلا وجهة.
كانت المدينة في تلك الساعة تمضي كعادتها سيارات مسرعة نوافذ مضاءة ضحكات بعيدة وكل شيء يوحي بأن العالم يعمل بكفاءة إلا العدالة.
وضعت يدها على بطنها شعرت بركلة خفيفة.
ابتسمت رغم الدموع.
أنت حية وهذا يكفيني.
توجهت أولا إلى بيت أهلها.
كانت تعلم أن والدتها ستفتح لها الباب لكن الخوف لم يكن من الأم بل من الواقع الذي ينتظر خلف العتبة.
طرقت الباب.
فتح أخوها الأكبر نظر إليها من أعلى لأسفل إلى بطنها المنتفخ ثم إلى الحقيبة.
لم يسأل.
قال فقط
إيه اللي حصل
دخلت جلست وحكت.
كل كلمة كانت تسقط في الغرفة كحجر.
صمت ثقيل.
ثم قالت الأم وهي تضرب كفا بكف
يعني إيه طردك وانتي حامل
أما الأب فظل صامتا طويلا ثم قال بجملة
إحنا ناس على قد حالنا ومش ناقصين مشاكل.
نظرت سلمى إليه بذهول.
بابا أنا بنتك.
تنحنح وأدار وجهه.
ارجعي له. استحمليه. بنت ولا ولد المهم الستر.
ضحكت سلمى ضحكة باكية.
هو اللي طردني.
قال أخوها بحدة
يبقى تتحملي. انتي اللي وافقتي تتجوزيه.
في تلك اللحظة أدركت سلمى أن الطرد الحقيقي لم يكن من بيت الزوج بل من فكرة الأمان ذاتها.
نهضت ببطء.
مش هقعد.
لم يمنعها أحد.
لم يلحق بها أحد.
خرجت من بيت أهلها كما خرجت من بيت زوجها
بصمت.
قضت ليلتها الأولى في غرفة صغيرة استأجرتها عند امرأة مسنة في حي شعبي.
الغرفة ضيقة السقف منخفض لكن المرأة لم تنظر إلى بطنها بازدراء بل قدمت لها كوب حليب دافئ وقالت
الحمل ستر ما تخافيش.
تلك الجملة البسيطة أعادت لسلمى شيئا كانت تفقده الإحساس بأنها ما زالت إنسانة.
مرت الأيام ثقيلة.
بحثت عن عمل لكن بطنها كان يسبقها.
كل باب يغلق بلطف مصطنع
إحنا محتاجين حد يقدر يقف على رجليه طول اليوم.
الوضع صعب الحمل مسؤولية.
كانت تعود كل مساء متعبة مكسورة لكنها لم تنم يوما دون أن تحدث ابنتها.
كانت تحكي لها عن العالم عن القسوة وعن الأمل الذي لا تفهم كيف لا يزال حيا.
وفي الجهة الأخرى كان محمود يعيش حياته كأن شيئا لم يحدث.
عاد إلى أصدقائه إلى المقاهي إلى الحديث عن الزواج وكأنه صفقة فاشلة.
كان يقول بثقة
طلقتها
لم يشعر بالذنب.
بل شعر أنه انتصر.
لكن ما لم يكن يعلمه أن بعض الانتصارات تدون مؤقتا بمداد