طردتني بنتي وزوجها تحت المطر وبعد ساعات حصلت المعجزة اللي قلبت حياتهم!
اخرجي من بيتي أيتها العجوز القذرة!
طردني زوج ابنتي إلى الشارع وسط عاصفة عاتية لكن الله كان قد أعد انتقامه العادل
كان بيت لماس دي تشابولتيبيك يفوح برائحة معطر فاخر وبرودة قاسية. كنت أعلم أن وجودي فيه زائد عن الحاجة. في الثامنة والسبعين من عمري بركبتي اللتين تئنان كخشب عتيق ويدي المتشققتين من كثرة تنظيف بيوت الآخرين كنت اللطخة في الحياة المثالية لابنتي كارولينا وزوجها رودريغو.
كانت ابنتي تهمس لي قائلة
أمي من فضلك لا تحدثي ضجيجا رودريغو على وشك النزول.
وتلك النظرة الممزوجة بالخوف كانت قد استقرت في عينيها منذ تزوجت ذلك الرجل ذي اللقب العريق.
في صباح من أيام يونيو كانت الأمطار في مدينة مكسيكو تنهمر وكأن السماء تتفتت. لم أكن أطلب سوى فنجان قهوة ساخن لا أكثر. لكن ما إن دخل رودريغو إلى المطبخ ببدلته الإيطالية الأنيقة وعطره النفاذ حتى أدركت أن وقتي قد انتهى.
ماذا تفعل هذه هنا زمجر وهو ينظر إلي باشمئزاز جمد دمي أكثر من برد الصباح. كم مرة قلت لك يا كارولينا لا أريد رؤية أمك في مطبخي. رائحتها فقر رائحتها شيخوخة.
حاولت أن أتوارى أن أصغر حتى أختفي بين البلاط لكنه كان قد تقدم نحوي. أمسك بذراعي بقسوة لا حاجة لها وجرني عبر الممر الرخامي بينما كانت ابنتي تبكي بصمت عاجزة عن الدفاع عني.
إلى الخارج! ارحلي مع تماثيلك وأسمالك البالية! صرخ وهو يفتح الباب الرئيسي.
رودريغو أرجوك المطر يهطل لا مكان أذهب إليه سأموت من البرد توسلت وأنا أتشبث بإطار الباب.
انحنى نحوي بابتسامة قاسية لن أنساها ما حييت وقال
إذا موتي بعيدا عن هنا أيتها العجوز عديمة النفع.
ثم دفعني. سقطت على ركبتي فوق الرصيف المبتل. أغلق الباب بعنف وتركني وحيدة غارقة
صرخت مرسيدس وهي تضرب الخشب بقبضتيها الواهنتين
كارولينا! يا ابنتي! لا تتركيني!
ولم يجب أحد. لم يبق سوى زئير المطر والرعد في سماء رمادية.
ظلت هناك على الأرض والماء البارد يغمر فستانها الرمادي في ثوان. امتزجت دموعها بالمطر وارتعشت بلا سيطرة. حاولت أن تنهض لكن ركبتيها خانتاها. شهقت وهي تنظر إلى السماء
لماذا عملت طوال عمري مسحت الأرضيات حتى نزفت كي تصبح هي متعلمة. لم أؤذ أحدا. لماذا يكون جزائي هكذا
زحفت نحو حوض نبات قريب لتحتمي قليلا من الريح. كانت السيارات الفارهة تمر أمامها مصفحة وأصحابها لا يلتفتون إليها. في حي الأغنياء تكون العجوز المطرودة غير مرئية أو مزعجة للعين. بدأت مرسيدس تمشي وهي تعرج لا تعرف وجهة. كان ألم الصدر يشتد وكأن القلب يستعد للتوقف. قطعت شوارع كثيرة خرجت من المناطق السكنية الراقية حتى وصلت إلى حديقة عامة مهجورة بسبب العاصفة.
وجدت مقعدا معدنيا تحت شجرة لا تكاد تحجب المطر. سقطت عليه منهكة. لم تعد تشعر بأصابع يديها. بدأ عقلها يتغشى. ظنت أن النهاية قد جاءت. همست وهي تغمض عينيها مستسلمة لبرد يسرق الإحساس
إن كنت لم أعد صالحة لشيء فليكن هذا هو النهاية. لم أعد أحتمل.
خيل إليها أن صوت المطر خف مع أن الماء ظل يهطل. وفجأة أحست بدفء غريب يقترب دفء لا تفسير له. لم يكن شمسا فالسماء ما زالت سوداء. سمعت صوتا يقول
يا امرأة.
كان صوتا رجوليا لكنه ليس كصوت رودريغو. لا غضب فيه ولا تعال. كان عميقا ناعما كالمخمل وفيه سلطان يجعل الأرض ترتجف طمأنينة لا خوفا. فتحت مرسيدس عينيها بصعوبة. أمامها وقف رجل تحت المطر ومع ذلك كان كأنه لا يبتل.
كان يرتدي لباسا بسيطا أشبه بثوب من زمن آخر بلون
جثا الرجل أمامها غير مبال بالطين. قالت مرسيدس متلعثمة
من أنت
فأجاب وهو يمد يده إليها
أنا الذي كنت معك كل مرة بكيت فيها وحدك.
نظرت مرسيدس إلى يده. في راحة الكف ندبة دائرية عميقة. اضطرب قلبها. قالت في نفسها
لا يمكن إنها هلوسة البرد أو أني مت.
تمتمت بضعف
لا أنا لا أحد. أنا عجوز عبء.
تردد كلمات صهرها.
ضم الرجل يديها المثلجتين بين يديه. كان الدفء ينتقل فورا يجري في عروقها كنار سائلة يذيب التجمد ويصلح ما تكسر. قال وهو ينطق اسمها ببطء
مرسيدس ألفاريز قد تكونين عند الناس غير مرئية لكنك لست بلا قيمة. لست عبئا.
انفجرت مرسيدس بالبكاء لكنه بكاء راحة لا بكاء انكسار. بكاء من حمل جبلا ثم رفع عن كتفيه. قالت وهي تنتحب
طردوني. ابنتي تركتني في الشارع. كنت أما صالحة.
قال بصوت هادئ
أعلم. رأيت كل تضحية. رأيت حين كنت تقتسمين رغيفك معها ورأيت ما حدث اليوم.
تبدلت ملامحه قليلا. ظهر في عينيه حزم شديد لا ضدها بل ضد الظلم. قال
الرجل الذي أهانك يظن أن المال يمنحه سلطة لكنه بنى حياته على أساس هش. كبرياؤه سيكون سبب سقوطه.
ارتجفت وسألت
وماذا سيحدث
قال
كل شيء له ثمن. وهو اختار طريقه. أما أنت
وابتسم فكان لابتسامته نور وسط الحديقة الرمادية.
ستعودين إلى ما يليق بك.
قالت في دهشة ممزوجة بالخوف
لكنني لا أملك شيئا.
فأجاب
تملكين ما هو أثمن نيتك الصافية. غدا قبل الثانية عشرة ستتلقين مكالمة. لا تخافي. اقبلي ما سيعرض عليك. إنه نتيجة
شهقت
منذ زمن
قال
دون إستيبان روميرو. أتذكرينه
بحثت مرسيدس في ذاكرتها المرهقة. شيخ كانت ترعاه حين عملت في حي دل بايي. رجل وحيد شديد المرارة. لم يكن أحد يريد خدمته لكنها صبرت عليه تطبخ له وتجلس معه حتى فقد آخر ما يربطه بالحياة. قالت
نعم
قال
لم ينس الشخص الوحيد الذي عامله بإنسانية.
مد الرجل يده إليها لتنهض. نهضت مرسيدس ولم تصدق. ركبتاها لم تعودا تؤلمانها والبرد اختفى. شعرت بقوة كأنها استعادت نفسها القديمة. قال لها
اذهبي إلى المبنى القديم في نهاية الشارع يبعد ثلاث حارات. هناك من ينتظرك دون أن يعرف لماذا خرج في هذا الطقس. ستجدين مأوى الليلة.
تشبثت مرسيدس بيده وقالت
لا تتركني.
فوضع يده على جبهتها برفق وقال
لن تكوني وحدك. واستعدي لأن من ظلمك سيسقط ومن تركك سيعود وعندها ستواجهين أصعب قرار في حياتك أن تختاري الصفح.
قالت وهي ترتجف
الصفح صعب يؤلمني.
قال
أعلم. لكنه يحررك أنت.
ثم بدأ يمشي في ضباب المطر. رمشت مرسيدس لتزيل الدموع وحين فتحت عينيها لم تجده. كان المقعد جافا والمطر قد توقف وشعاع شمس شق الغيوم السوداء.
عدلت مرسيدس شالها واستقامت كما لم تستقم منذ سنين وسارت إلى حيث قيل لها. لم تعد العجوز العبء. كانت امرأة استعادت كرامتها وقصتها لم تبدأ إلا الآن.
وفي تلك الأثناء في قصر لوماس كان رودريغو يصب لنفسه كأس ويسكي وهو يحتفل بأنه تخلص من المشكلة. رن هاتفه. كان شريكه الرئيس. قال رودريغو بتعال
ألو
فجاءه الصوت مضطربا
رودريغو لدينا مشكلة خطيرة. الحسابات جمدت وهناك أمر ضبط بتهمة الاحتيال. يجب أن تغادر فورا.
انزلقت الكأس من يده وتحطمت على الرخام. كان الصوت كصوت إمبراطورية تنهار.
مشت مرسيدس الحارات