ليلة قال لي فيها والدي الراحل: "لا ترتدي الفستان الذي اشتراه لك زوجك"

لمحة نيوز

ظهر لي والدي المتوفى في حلمي ليلة عيد ميلادي وحذرني قائلا لا ترتدي الفستان الذي أهداك إياه زوجك.
لم أكن أدرك في تلك اللحظة أن حياتي بكل ما بدت عليه من استقرار وهدوء كانت تقف على حافة انكشاف مرعب. كنت أظن أن الخوف شعور طارئ زائر ثقيل يغادر سريعا لكنني تعلمت لاحقا أن الخوف الحقيقي لا يصرخ بل يهمس تماما كما همس أبي في حلمي.
استيقظت قبل الفجر بدقائق والظلام لا يزال ممسكا بأطراف الغرفة. أنفاسي متقطعة وقلبي يخبط في صدري كطائر محبوس يبحث عن مخرج. شعرت بالعرق يبلل عنقي وظهري وكأن جسدي استبق عقلي في إدراك الخطر. مدت يدي بارتباك حتى وجدت المصباح الصغير فانسكب ضوء أصفر خافت أعاد للأشياء حدودها لكنه لم يعد لي الطمأنينة.
على الجانب الآخر من السرير كان مارك نائما بعمق. زوجي. شريكي منذ أكثر من عشرين عاما. الرجل الذي بنيت معه بيتا وربيت بين

يديه طفلة صارت امرأة. بدا وجهه هادئا بريئا خاليا من أي أثر للقلق الذي يعصف بي. راقبت صدره يعلو ويهبط بانتظام وراودتني فكرة ساذجة كيف يمكن للشر أن ينام بهذا السلام
انسحبت بهدوء حافية القدمين خشية أن أوقظه. الأرض باردة والهواء أثقل مما يجب. في المطبخ ملأت كوبا بالماء لكن يدي كانت ترتجف لدرجة أن بعضه انسكب على الطاولة. شربت ببطء محاولة إقناع نفسي أن ما رأيته لم يكن سوى كابوس عابر. ليلة مشحونة بالمشاعر لا أكثر. غدا عيد ميلادي الخمسون رقم ثقيل يستدعي الذكريات والأسئلة وربما الأشباح أيضا.
لكن صورة أبي لم تفارقني.
رأيته كما كان في سنواته الأخيرة ملامحه الصارمة التي تخفي حنانا نادرا سترته الرمادية التي كان يصر على ارتدائها في المناسبات المهمة ونظرته التي لا تمزح حين يتعلق الأمر بالخطر. وقف في الحلم عند مدخل الغرفة لم يقترب ولم يبتعد
وكأنه يقف على الحد الفاصل بين عالمين. صوته لم يكن عاليا لكنه كان حاسما نافذا لا يقبل الشك.
لا ترتديه.
لم يقل لماذا. لم يشرح. فقط أعاد التحذير مرة بعد مرة حتى شعرت أن الكلمات تنغرس في صدري. ثم تلاشى كما لو ابتلعته الظلال.
جلست إلى الطاولة وأسندت رأسي بين كفي. حاولت الضحك على نفسي. امرأة ناضجة أم زوجة تؤمن بالعقل والمنطق ترتعب من حلم لكن شيئا ما في داخلي كان يرفض تجاهل الأمر. إحساس قديم غريزي يشبه ذلك الصوت الداخلي الذي ينقذنا أحيانا دون أن نفهم كيف.
الفستان.
تسللت الفكرة إلى رأسي كسم بطيء. الفستان الذي اشتراه مارك قبل أسبوعين. أتذكر اللحظة جيدا. دخل البيت وهو يخفي ابتسامة طفل يحمل صندوقا كبيرا ملفوفا بعناية. فتحته فانبهر بصري بقماش أخضر زمردي عميق ناعم كالماء أنيق بلا مبالغة. لوني المفضل. مقاسي المثالي. قال إنه اختاره خصيصا لاحتفالي
وإنه أرادني أن أكون الأجمل في الخمسين.
بكيت يومها. ظننتها دموع امتنان وحب.
الآن وأنا أحدق في الفراغ شعرت لأول مرة بأن تلك الدموع ربما كانت حدسا لم أفهمه. نهضت ببطء وتوجهت إلى غرفة الملابس. الصندوق كان لا يزال هناك. فتحته ومددت أصابعي إلى القماش. لم يحدث شيء. لم أشعر بصعقة أو علامة واضحة. فقط صمت ثقيل وأسئلة بلا إجابات.
أعدت إغلاق الصندوق.
في الصباح عندما استيقظ مارك تصرفت كالمعتاد. ابتسمت. أعددت القهوة. تحدثنا عن ترتيبات الحفل عن قدوم نيكول وأطفالها عن المطعم الذي حجزه للعشاء. كان طبيعيا إلى حد يثير الريبة لكنني أقنعت نفسي أن الشك خيانة غير مبررة.
ومع ذلك قررت أمرا صغيرا بدا تافها في حينه لكنه غير كل شيء.
سأرسل الفستان إلى الخياطة بحجة إجراء تعديل بسيط.
لم أكن أعلم أن تلك الخطوة ستفتح بابا لم أكن مستعدة لرؤية ما خلفه وأن الثقة
العمياء التي عشت
تم نسخ الرابط