فقدت والديها في الرابعة عشر وأصبحت لا شيء حتى قابلت فتى فقيرًا آخر مثلها
فقدت والديها في الرابعة عشر وأصبحت لا شيء حتى قابلت فتى فقيرا آخر مثلها
كانت عائشة أجمل فتاة في صفها دائما مبتسمة دائما حالمة دائما تكتب اسمها على حافة كل كتاب دراسي مع قلوب صغيرة حوله.
كانت تؤمن أن الحياة تحبها لأنها كانت تملك أهم شخصين في حياتها أمها التي كانت تصلي لها كل ليلة وأبيها الذي لم يفشل أبدا في مناداتها يا شمسي الصغيرة.
لكن الشمس تختفي أيضا خاصة عندما تأتي الغيوم دون سابق إنذار.
حدث ذلك صباح يوم خميس.
أرسلت عائشة خارج الصف لأنها نسيت واجبها في المنزل.
كانت تبكي وهي تخرج من بوابة المدرسة على أمل أن تلحق بوالديها في الدكان لتجمع الكتاب وتعود بسرعة.
ولكن عندما وصلت إلى الطريق الرئيسي رأت حشدا.
حشد تجمع حول دراجة نارية محطمة.
وبجانبها جثتان مغطيتان بأغطية نايلون.
توقف قلبها.
جف حلقها.
تحولت ساقاها إلى ماء.
همس أحدهم إنه الزوجان اللذان يبيعان المؤن قرب التقاطع شاحنة فقدت السيطرة.
لم تصرخ.
لم تغش.
وقفت هناك فقط تحدق حتى اقترب منها ضابط شرطة برفق وسحبها قائلا
يا طفلتي لا تنظري.
لكنها كانت قد رأت بالفعل.
رأت ما يكفي لتدمير حياة كاملة.
في ذلك اليوم فقدت عائشة أكثر من والديها.
فقدت بيتها.
أقاربها قالوا إنهم مشغولون جدا بمسؤولية أخرى.
أخذتها عمتها ولكن ليس كطفلة بل كخادمة في المنزل.
لا مدرسة بعد الآن.
لا
لا ابتسامات.
كانت تستيقظ كل يوم في الساعة الرابعة صباحا لجلب الماء.
وكل ليلة كانت تغسل الصحون حتى تجعدت أصابعها.
كانت تضرب على أخطاء لم ترتكبها.
وتجوع على ذنوب لم ترتكبها.
أحيانا كانت تأكل الغاري المتبقي مع الرمل لأنها كانت جائعة جدا لتهمها أي تفاصيل أخرى.
في الرابعة عشر من عمرها تعلمت عائشة المعنى الحقيقي للمعاناة نوع يسحق العظام يكسر القلب ويسكت الروح.
ذات مساء بعد أن ضربتها عمتها مرة أخرى بسبب سقوط طبق لم تستطع حمله من التعب ركضت عائشة إلى الخارج واختبأت خلف صناديق القمامة في باحة المنزل.
كانت دموعها ساخنة مرة ولا تتوقف.
احتضنت ركبتيها وهمست
ماما بابا إذا كنتم تسمعونني خذوني أيضا.
لكن السماء لم تجب.
في تلك اللحظة سمعت خطوات تقترب.
مسحت دموعها ظنا منها أن عمتها عادت.
لكن ظهر فتى بدلا منها نحيف مغطى بالغبار يرتدي شباشب ممزقة بسرح واحد مفقود.
كانت عيناه ناعمتين فضوليتين ومملوءة بالحزن الذي بدا تماما مثل حزنها.
لم يكن يحمل طعاما لكن معدته كانت تقرقر كما لو كان جائعا منذ أيام.
حدق بها للحظة ثم قال بهدوء
لا تبكي هذا يزيد الألم.
شمت عائشة اتركني وحدي.
هز رأسه.
لا. أعرف ذلك النوع من البكاء. أعرف ما شعور صدرك عندما يؤلم أكثر من جسدك.
نظرت إليه جيدا.
لم يكن يزيد عمره عن خمسة عشر عاما.
كان قميصه كبيرا جدا.
وسرواله
وكان وجهه وسيما جدا ليكون بهذا الحزن.
همست من أنت
أجاب اسمي موسى. والداي توفوا أيضا. الحياة فرقتني في كل مكان منذ ذلك الحين.
حبست أنفاسها.
جلس بجانبها ليس قريبا جدا لكنه قريب بما يكفي ليجعلها تشعر بأنها ليست وحيدة.
سألت أين تعيش
أشار إلى كشك مهجور عبر الشارع.
أي مكان قابلني في الليل.
كانا طفلين محطمين يجلسان بجانب صندوق قمامة يشتركان في نفس الصمت لكن بطريقة ما لأول مرة منذ وقت طويل شعرت عائشة أن أحدهم يفهمها.
بعد دقائق أخرج موسى قطعة صغيرة من الخبز من جيبه جافة خشنة ومضغوطة بالفعل.
قال بهدوء خذيها سرقتها لكن اليوم ليس وقت الحكم علي.
ترددت عائشة لا أريد.
ابتسم ابتسامة بطيئة مؤلمة ناعمة.
قال أعلم. لكنك بحاجة.
نظرت إليه إلى الفتى الذي لا يملك شيئا ومع ذلك قدم لها شيئا.
وانكسر قلبها قليلا لكن بطريقة مختلفة.
أخذت الخبز.
وكانت تلك أول مرة تأكل فيها عائشة بدون خوف منذ وفاة والديها.
تحدثا حتى غابت الشمس.
طفلان فقيران منسيان.
روحان مجروحان.
غريبان مرتبطان بنفس نوع الألم.
ودون أن يدركا دون أن يفهما بدأ شيء تلك الليلة.
ليس الحب.
ليس بعد.
فقط الأمل ذلك الشيء الصغير الهش الذي ينمو في الظلام عندما لا تتوقعه.
لكن لم يكن أي منهما يعرف
أن هذا الأمل يوما ما سيتحول إلى حب.
وأن ذلك الحب سينقذهم
ويحطم كل شيء
كانت عائشة
وانشق قلبها أكثر لكن بطريقة مختلفة.
أخذت الخبز.
وكانت تلك أول مرة تأكل فيها عائشة بلا خوف منذ وفاة والديها.
تحدثا حتى غابت الشمس.
طفلان فقيران منسيان.
روحان مثقلتان بالجراح.
غريبان جمعهما نفس النوع من الألم.
وبدون أن يدركا وبدون أن يفهما ما يحدث بدأ شيء في تلك الليلة.
ليس الحب.
ليس بعد.
بل الأمل ذلك الشيء الصغير الهش الذي ينمو في الظلام حين لا تتوقعه.
لكن لم يكن أي منهما يعرف
أن هذا الأمل سيتحول يوما ما إلى حب.
وأن ذلك الحب سينقذهما
ويدمر كل شيء.
في صباح اليوم التالي استيقظت عائشة وهي تشعر بشيء غريب داخل صدرها.
ليس سعادة وليس فرحا
بل دفء.
إحساس لم تعرفه منذ اليوم الذي غطت فيه أغطية النايلون وجهي والديها.
قضت يومها كله تغسل الملابس وتفرك الأرضيات وتدق الفلفل تحت الشمس لكن كلما توقفت لتلتقط أنفاسها ظهر وجه واحد في ذهنها.
موسى.
الفتى ذو العينين الحزينتين والشباشب الممزقة.
الفتى الذي لم يكن يملك شيئا ومع ذلك شاركها قطعة الخبز الوحيدة التي كانت معه.
في تلك الليلة تسللت من المنزل من جديد ووجدته جالسا بجانب صناديق القمامة يركل الحصى الصغيرة كأنها ذكريات يريد نسيانها.
رفع رأسه فور سماعه خطواتها.
قال بصوت منخفض
جيتي.
فأجابت بهدوء
إنت كنت عارف إني هاجي.
وهكذا بدأ روتينهما.
كل ليلة كان هذان الروحان المهملان يلتقيان خلف المبنى ليس لأنهما خططا لذلك بل لأن العالم