الكفيف العازب كاملة
إلى طاولته دون إذنه ودون أن يشعر بالغضب.
رفع يده ببطء لا ليمنعها بل كأنه يتأكد أن ما يحدث حقيقي. كانت أصابعه قريبة من حافة الطاولة حين اصطدمت بشيء صغير ودافئ. يد. يد طفلة.
توقف الزمن.
كلارا انزلي فورا أرجوك قالت المرأة بصوت مرتجف وهي تقترب أكثر.
لا ردت الطفلة بعناد هادئهو وحيد.
لم يعرف إدواردو لماذا اخترقت تلك الكلمة صدره كالسهم.
وحيد.
لم يكن يسمعها من أحد. لم يجرؤ أحد على وصفه بها. كان غنيا قويا صاحب نفوذ. لكن طفلة في الثانية من عمرها رأت ما لم يره الجميع.
من فضلك سنعاقب همست المرأة وهي تحاول سحب ابنتها.
حينها فقط تكلم إدواردو لا بأس دعيها.
ساد الصمت.
دكتور إدواردو سألت المرأة غير مصدقة.
قلت دعيها كرر بهدوءيمكنها الجلوس.
تقدم أوغستو بخطوات مترددة سيدي
أوغستو لا.
جلس إدواردو مستقيما وكأن شيئا داخله استيقظ فجأة بعد سبات طويل.
ما اسمك سأل المرأة.
أنا أنا آنا سيدي. أعمل في التنظيف.
هز رأسه. اجلسي أنت أيضا.
كادت آنا تبكي. لم يحدث قط أن جلس عامل على تلك الطاولة. لم يحدث أن جلس أحد.
جلست على حافة الكرسي متصلبة بينما كانت كلارا تلوح بالشوكة في الهواء. هذا لك سألت وهي تشير إلى الطبق.
نعم.
كبير لا يمكنك أكله وحدك.
لم يضحك إدواردو.
لكنه ابتسم.
كانت تلك أول ابتسامة حقيقية له منذ الحادث.
قبل سبع سنوات
لم يكن إدواردو كفيفا دائما.
كان شابا لامعا وريثا وحيدا لعائلة مونتيرو الصناعية. ذكيا طموحا ومغرورا بعض الشيء. كان يرى العالم واضحا أكثر مما يجب.
في تلك الليلة كان يقود بنفسه رغم تحذيرات سائقه. المطر كان غزيرا والطريق زلقة. هاتفه رن. أجاب.
ثانيتان فقط
كانت كافية.
اصطدام.
ظلام.
ثم صمت.
عندما استيقظ في المستشفى كانت الكلمات الأولى التي سمعها نأسف لن ترى مجددا.
لم يصرخ.
لم يبك.
فقط صمت.
لكن شيئا انكسر فيه إلى الأبد.
خطيبته رحلت بعد شهرين.
أصدقاؤه تلاشت زياراتهم.
تحول القصر إلى متحف صامت.
وتحول هو إلى آلة.
العودة إلى الحاضر
بعد تلك الليلة لم تعد الأمور كما كانت.
بدأت كلارا تأتي كل مساء.
كانت تدخل القاعة دون خوف تجلس على كرسي الجرح المقابل له وتقول أنا هنا.
كانت تحكي له عن أشياء لا يراها اليوم السماء كانت زرقاء جدا.
هناك قط أصفر عند البوابة.
فستاني فيه زهور.
كان يستمع ويصمت.
لكن داخله كان يمتلئ.
صار ينتظر العشاء.
صار يطلب طبقا إضافيا صغيرا.
صار يسأل هل جاءت كلارا
وذات مساء لم تأت.
انتظر.
تأخر العشاء.
سأل أين هي
ترددت آنا إنها مريضة قليلا.
شعر إدواردو بشيء غريب خوف
أريد رؤيتها.
سيدي
خذيني إليها.
كانت تلك أول مرة يخرج فيها من القصر منذ سنوات.
في غرفة صغيرة خلف المطبخ كانت كلارا مستلقية
اقترب إدواردو ببطء جلس قربها ومد يده.
كلارا
إدو همست.
ابتلع غصة. أنا هنا.
في تلك اللحظة فهم شيئا لم يفهمه من قبل
أن العمى الحقيقي ليس فقدان البصر بل فقدان المعنى.
التحول
نقل إدواردو آنا وابنتها للعيش في جناح صغير داخل القصر.
وفر لكلارا علاجا خاصا ومدرسة مستقبلا.
لكن الأهم
فتح أبواب القصر.
عاد الضحك.
عاد الصوت.
عاد الزمن يتحرك.
بعد عام طلب إدواردو من آنا الجلوس معه. أريدك أن تبقي.
ارتجفت. سيدي أنا
ليس كعاملة.
سكت.
كعائلة.
بكت آنا.
وبكت كلارا.
ولم يبك إدواردو لكنه شعر أن شيئا في صدره عاد ينبض.
النهاية
بعد خمس سنوات وقفت كلارا على منصة المدرسة تقرأ قصيدة.
كان إدواردو في الصف الأول.
هذا لأبي قالت.
لم يكن والدها.
لكنه كان كل شيء.
حين عادوا إلى القصر جلست كلارا إلى جانبه وقالت هل تعلم أنت لم تكن وحيدا كنت فقط تنتظرني.
أدار وجهه نحوها وابتسم.
للمرة الأولى منذ سبع سنوات
لم يكن الظلام مخيفا.
لأنه أخيرا
لم يعد وحده.