عاد إلى قصره دون موعد… وما رآه على مائدة الغداء دمّر كل ما كان يعرفه عن حياته

لمحة نيوز

عاد إلى قصره دون موعد وما رآه على مائدة الغداء دمر كل ما كان يعرفه عن حياته
لم يكن في عودة أليخاندرو المفاجئة ما يستحق الذكر. مجرد ساعة مسروقة من جدول خانق أراد خلالها أن يلتقط بعض الأوراق المنسية ويعود إلى عالم الزجاج والخرسانة حيث لا مكان للأخطاء ولا للدهشة. القصر منذ سنوات لم يعد بيتا بل مبنى صامت يتنفس الفراغ. حتى خطواته فيه كانت تحفظ الطريق دون حاجة إلى وعي.
لكن الباب الذي فتح أمامه لم يفتح على الصمت.
توقف الزمن لحظة واحدة فقط لكنها كانت كافية لتفكيك حياته كما تفكك ساعة عتيقة. المفاتيح سقطت من يده ارتطمت بالأرض الرخامية وأصدرت صوتا حادا يشبه الطلقة غير أن القصر ابتلع الصدى كما ابتلع كل شيء من قبل.
في غرفة الطعام تلك التي لم تستخدم منذ جنازة زوجته كانت المائدة مشغولة.
لم تكن مزينة ولا عامرة بل محتلة.
إلينا الخادمة الشابة جلست حيث لم يسمح لها يوما بالجلوس. لم تكن تنظف لم تكن ترتب بل كانت تطعم. أمامها أربعة أطفال صغار متقاربون حد الارتباك كأنهم انعكاس

واحد تكرر أربع مرات. أجسادهم النحيلة بالكاد تملأ الكراسي الكبيرة وعيونهم الواسعة معلقة بيدها كما لو كانت مصدر العالم كله.
لم يستوعب المشهد فورا. الدم في عروقه تباطأ ثم اندفع دفعة واحدة إلى رأسه. شيء ما في الصورة كان خطأ فادحا خيانة صامتة لقوانين هذا البيت لتاريخه لبروده الطويل.
الأطفال لم يتجاوزوا الرابعة. قمصانهم زرقاء مألوفة على نحو مزعج وكأنها خرجت من ذاكرة لا من خزانة. مآزر صغيرة خيطت على عجل طعام بسيط في صحون لا تنتمي إلى هذا المكان. لم يكن فقرا صارخا بل فقرا خجولا يختبئ داخل الفخامة.
قالت إلينا بصوت منخفض دافئ
افتحوا أفواهكم ببطء الكل سيأخذ نصيبه.
كانت الملعقة ترتفع وتهبط بدقة مريبة. لا زيادة لا نقص. عدالة قاسية لا يعرفها إلا الجوع. الأرز الأصفر يتصاعد بخاره رائحته متواضعة لكن في عيون الأطفال كان عيدا. كانوا يأكلون بحذر كما لو أن السرعة قد تسلبهم الحق في الوجبة.
القفازات الصفراء قفازات التنظيف كانت لا تزال في يديها. بها مسحت فم طفل وعدلت خصلة شعر
لآخر وربتت على كتف ثالث. لم تكن عاملة كانت أما مؤقتة في عالم لا يعترف بالأمهات.
ضحكاتهم الخافتة المرتبكة اخترقت الجدران التي لم تسمع ضحكا منذ أعوام. شيء في صدر أليخاندرو انكمش.
كان عليه أن يتكلم. أن يصرخ. أن يسأل. أن يأمر. لكنه ظل واقفا عند العتبة كتمثال نسي في مكانه.
ثم رفع أحد الأطفال رأسه.
التفت نحو أخيه فضرب الضوء جانبه وفي تلك اللحظة انهار آخر جدار في داخله. الأنف. الشفاه. الانحناءة الطفيفة للرأس. طريقة الإمساك بالشوكة الأناقة غير المبررة لطفل جائع.
كان وجهه.
لا تشابه بل استدعاء. كأن الزمن سخر منه وألقى أمامه مرآة تعيد إليه ملامحه قبل أربعين عاما.
خفق قلبه بعنف. الأسئلة اندفعت لكنها اصطدمت بجدار واحد كيف
خطا خطوة واحدة. صرير حذائه كان كافيا.
تجمدت إلينا. الملعقة توقفت في الهواء. التفتت ببطء وكأنها تعرف أن هذه اللحظة ستأتي يوما. شحب وجهها تلاشى الدم من ملامحها والتقت عيناها البنيتان بعينيه الزرقاوين الباردتين.
توقف الأطفال عن الأكل في اللحظة نفسها.
أربعة رؤوس التفتت نحوه أربعة أجساد انكمشت غريزيا.
الآن لم يعد هناك شك. أربع نسخ تحمل ملامحه ببراءة جارحة.
تقدم خطوة أخرى. عندها قفزت إلينا ووقفت أمامهم ناشرة ذراعيها. لم تكن القفازات الصفراء مثيرة للسخرية بعد الآن. كانت درعا.
ما معنى هذا
خرج صوته عاليا فارتجت النوافذ. ارتعد الأطفال وبكى أصغرهم واختبأ خلف ساقها ثم تبعه الباقون جدار صغير من الخوف.
اقترب من المائدة وضع كفيه على سطحها المصقول وانحنى للأمام.
وثقت بك. فتحت لك بيتي. فهل هذا رد الجميل حضانة سرية غرباء على مائدتي
قالها لكنه لم يصدقها. شيء في داخله كان يبحث عن تفسير آخر أي تفسير.
تمتمت إلينا
إنهم أبناء أختي.
كذبة. واهنة. سقطت قبل أن تلامس الأرض.
ابتسم ابتسامة جافة وأشار إلى قمصانهم
ومنذ متى يرتدي أبناء أختك ثيابي القديمة
اقترب أكثر. رأى الخياطة الرديئة الخطوط الزرقاء المألوفة. عرف القميص فورا. كان له. رماه يوما بسبب بقعة حبر. الآن صار ثوب طفل.
اشتعل غضبه لا بسبب الطعام بل بسبب الجرأة.
هل سرقت
صرخت
لأول مرة تنسى الخضوع
لم أسرق! كان
تم نسخ الرابط