غيّرت حياته… لكن الثمن لم يظهر فورًا
حين توقف ميخائيل عن السير كان الليل قد حسم أمره نيابة عنه.
الشارع بدا خاليا أكثر مما يجب.
فراغ غير مريح كأن المدينة أغلقت عينيها دفعة واحدة.
مصباح يتدلى بنور مريض والهواء ساكن حتى أنفاسه سمعها بوضوح وهو يلتفت فجأة مستجيبا لصوت خلفه.
لو قبلت المرأة التي تنام عند المفترق تلك التي لا تغتسل أبدا
قالت الطفلة بصوت ثابت
سيصير المال طريقك.
تجمد ميخائيل مكانه.
لم تكن الكلمات وحدها ما أربكه بل الطريقة
كأنها لا تقترح بل تبلغ.
أعيدي الكلام قالها بصوت جاف.
إنت بتقولي إيه
لم يتغير تعبيرها.
لا سخرية لا تهديد لا لعب.
فقط حقيقة تلقى كما هي.
وقتها انتبه لشيء جعل معدته تنقبض
فستانها الأحمر يتمايل وقدماها لا تمسان الأرض.
كان في الخامسة والعشرين منهكا دون سبب واضح يمكن شرحه.
لا بؤس درامي ولا رغبة في الهروب
فقط شعور ثقيل بأن الحياة تمشي فوقه لا معه.
غرفة واحدة حائط متآكل سرير فقد ملامحه.
عمل يضمن البقاء لا أكثر.
وفي آخر كل شهر
ديون تصطف بهدوء
معدة فارغة
وصوت أم يسأله إن كان يستطيع المساعدة.
كان يكذب أحيانا.
وأحيانا يترك الهاتف يرن حتى يصمت وحده.
وفي ليال كثيرة كان ينظر للسقف ويتساءل
كيف تكون الحياة صاخبة بكل
وصامتة تماما حين نحتاج جوابا
لذلك سمعها.
ليس لأنه آمن بها
بل لأن اليأس ينصت جيدا.
اسمك إيه
سأل وهو يراقب الشارع.
وإنت مين
مالت برأسها.
ابتسامة أكبر من وجهها ارتسمت للحظة
ثم ضحكت
ضحكة لا مكان لها هنا.
استدارت وسارت.
لا عجلة لا خطوات مسموعة.
سارت فقط ثم ذابت في الظلام.
ظل واقفا طويلا
ثم أكمل طريقه.
في تلك الليلة لم ينم.
الكلمات كانت تدور في رأسه كتعويذة سخيفة
قبلها.
لا تغتسل.
وسيكون لديك مال.
ضحك بينه وبين نفسه.
لكن صورة القدمين المعلقتين لم تختف.
وتذكر المرأة عند المفترق.
التي يعرفها الجميع.
التي يخافون منها دون سبب واضح.
التي لا يقترب منها أحد.
الوصف كان دقيقا أكثر من اللازم.
وقبل منتصف الليل نهض.
أسوأ ما يمكن أن يحدث
همس لنفسه.
الشارع بدا أطول.
خطواته أعلى من اللازم.
وكأن صدى آخر يسير خلفه.
عند المفترق كانت السيارة الصدئة في مكانها.
وبجوارها كانت هي.
فتحت عينيها قبل أن ينطق.
جيت قالت بهدوء.
كنت عارفة.
رائحة قديمة خانقة
غبار عفن وزمن متحلل.
اقترب.
القبلة لم تكن دفئا ولا نفورا
كانت فراغا.
شيئا يسحب منه.
وفي رأسه صوت لم يكن صوته
تمت الموافقة.
تراجع يلهث.
مسحت فمها ببطء.
روح قالت.
ومتنساش.
اختفت.
مع الصباح رن هاتفه.
رصيد.
رقم مستحيل.
لم يفرح.
جلس فقط.
لأن داخله عرف
هذا ليس عطاء بل بداية التزام.
المال تدفق.
والناس تغيروا.
والرائحة بقيت.
وفي اليوم السابع
حين وقف أمام الصنبور
عاد الصوت.
الماء لا يمحو
قالت من خلفه.
الماء يثبت.
وحين أدار المقبض
لم يكن ما انغلق هو الحمام
بل شيء داخله.
منذ تلك الليلة
لم يتوقف المال.
لكن النوم تكسر.
والمرآة خانته.
وظله تأخر عنه خطوة.
وكان يعرف
أن الصفقة لم تنته.
هي فقط بدأت متأخرة.
بعض الأثمان لا تطلب فورا.
تترك حتى ينسى صاحبها
أنه وافق.
وهناك مفترقات
لا تغير الطريق
بل تغير من يمر بها.
هذه الحكاية
لم تنته بعد.
لم يعرف ميخائيل كم مر من الوقت منذ تلك الليلة.
الأيام لم تعد تقاس بالساعات بل بعدد الإشعارات التي تصله
وبعدد المرات التي يتجنب فيها النظر طويلا إلى المرآة.
المال كان حاضرا دائما.
ليس وفيرا بطريقة فوضوية
بل دقيقا ذكيا.
يأتي قبل الحاجة بقليل
كأنه يسمع أفكاره قبل أن ينطقها.
حين فكر في سيارة
ظهر عرض فجأة.
حين ضاق بالمكان
اتصل به سمسار دون سابق معرفة.
لم يعد يسأل كيف
السؤال كان يثقله.
لكن جسده لم يعد جسده.
الرائحة لم تختف بعد الاستحمام
بل
صارت أعمق
أقرب إلى الجلد
كأنها خرجت من داخله لا من عليه.
وفي بعض الصباحات
كان يستيقظ متأكدا أنه كان مستيقظا طوال الليل
حتى لو أظهرت الساعة غير ذلك.
الأحلام لم تكن أحلاما.
كانت مفترقا آخر.
يرى نفسه واقفا
والمدينة خالية
والمرأة هناك
لكن وجهها لم يعد وجهها.
وفي كل مرة
كانت تقول الجملة نفسها
الدفع مستمر.
في اليوم الأربعين
اختفى شيء.
لم ينتبه في البداية.
فقط شعر بأن هناك فراغا في ذاكرته
اسم لا يتذكره
صوت لا يستطيع استعادته.
حاول تذكر وجه أمه
فوجده باهتا
كما لو أنه صورة تعرضت للشمس طويلا.
ارتعب.
حاول الاتصال بها.
رن الهاتف طويلا
ثم جاءه صوت آلي يخبره أن الرقم غير موجود.
الرقم الذي يحفظه منذ الطفولة.
في تلك الليلة
عادت الفتاة.
لم تدخل هذه المرة.
كانت جالسة على الكرسي المقابل
تتأرجح
وقدماها لا تلمسان الأرض.
إيه اللي بتاخدوه
سألها وصوته مبحوح.
الفلوس مقابل إيه بالضبط
ابتسمت.
أنت فاكر إنك دفعت قبلة وبس
صمتت لحظة
ثم أضافت
إحنا بنشتري المساحة.
مساحة إيه
المساحة اللي جواك.
اللي بتخليك تقول
ده أنا وده مش أنا.
شعر بالبرد رغم دفء الغرفة.
وبعد ما تخلص
مالت نحوه.
اقتربت أكثر مما يجب.
بعدها ما بيبقاش
في اليوم الخمسين
بدأ الناس ينادونه باسم آخر.
لم يصحح لهم.
الغريب أنه لم يشعر أن الاسم خطأ.
في اليوم الستين
لاحظ أن ظله
لم يعد يتبع اتجاه الضوء.
وفي اليوم السبعين
مر بالمفترق.
توقف