غيّرت حياته… لكن الثمن لم يظهر فورًا
دون وعي.
السيارة الصدئة لم تعد هناك.
ولا المرأة.
لكن الإحساس كان أقوى من أي وقت مضى.
كأن المكان يعرفه.
كأنه ملك له أو يملكه.
سمع الهمس.
ليس من الخارج هذه المرة
بل من داخله.
الدور جاي.
رجع إلى بيته وهو يرتجف.
فتح كل الصنابير دفعة واحدة.
الماء ملأ المكان.
لكن الصوت لم يتوقف.
في المرآة
رأى شيئا يتحرك خلف عينيه.
ليس شخصا آخر
بل فراغا يتسع.
فهم أخيرا.
المال لم يكن مكافأة.
كان وسيلة إبقاء.
كل ما أعطي له
كان ليطيل المدة.
ليؤجل اللحظة التي يكتمل فيها الاستبدال.
جلس على الأرض
وسط الماء
وضغط كفيه على أذنيه.
عايز أوقف الصفقة!
صرخ.
ضحكة خافتة ردت عليه
ضحكة يعرفها جيدا.
الصفقات اللي من النوع ده
قال الصوت
ما بتتفسخش
بتتسلم.
وفي تلك اللحظة
رن هاتفه.
إشعار جديد.
رصيد أكبر من أي مرة سابقة.
ومع الإشعار
شعر بشيء يغادره نهائيا
شيء لم يعرف اسمه
لكنه كان آخر ما يجعله إنسانا.
في الصباح
خرج إلى الشارع.
وقف عند المفترق.
ولأول مرة
لم يشعر بالخوف.
مرت طفلة صغيرة
توقفت
ونظرت إليه.
لو وافقت على المرأة التي تنام هنا
قالت له.
ابتسم ميخائيل.
وأكمل الجملة بدلا منها.
ابتسم ميخائيل للطفلة.
لم تكن ابتسامة طيبة
ولا شريرة.
كانت ابتسامة من يعرف الدور جيدا.
الطفلة حدقت فيه
وكأنها
لكنها لم تقل شيئا.
لم يعد هناك داع للكلمات.
أشار بيده نحو المكان الذي كانت تقف فيه السيارة القديمة
وقال بصوت منخفض
هتلاقيها هناك.
متسأليش.
وإوعي تستحمي بعد اللي هيحصل.
ارتعشت الطفلة.
خطوة واحدة للخلف
ثم اختفت
كما اختفى هو ذات ليلة.
وقف ميخائيل وحده عند المفترق.
المدينة حوله كانت حية
سيارات تمر
ناس تتكلم
لكن المكان نفسه ظل معزولا
كأنه ثقب في الواقع.
نظر إلى كفيه.
لم يعودا كفيه تماما.
كانتا أثقل
وأقدم.
في جيبه
رن الهاتف.
لم ينظر إلى الشاشة.
لم يعد بحاجة.
المال سيأتي.
سيأتي دائما.
لكن ليس له.
عاد إلى الشقة التي
الأثاث كامل
النقود في أماكنها
والمرآة
مغطاة.
لم يعد ينظر فيها منذ أيام.
جلس على الكرسي
وأغمض عينيه.
وتذكر
للمرة الأخيرة.
غرفة صغيرة.
سقف متشقق.
صوت أمه.
اسمه الحقيقي.
كلها مرت سريعا
كأنها تخص شخصا آخر.
حين فتح عينيه
لم يشعر بشيء.
لا خوف.
لا ندم.
لا رغبة.
فقط انتظار.
في الخارج
وقفت امرأة عند المفترق.
نائمة قرب شيء صدئ.
تنتظر.
وفي مكان ما
كانت طفلة أخرى تمشي في شارع خال
تحفظ الجملة
وتبحث عن شخص متعب بما يكفي ليصدق.
أما ميخائيل
فلم يعد طرفا في الصفقة.
صار البند.
وصار المفترق صوته
والرائحة أثره
والمال
وهكذا
كلما تغيرت حياة شخص هناك
تأخر الثمن قليلا.
لكن المفترق
لا ينسى.
ولا يسامح.
انتهت.