حملته ليلة زفافنا لأنه لا يستطيع الوقوف وبعدها تغيّر كل شيء
في اليوم الذي وصلت فيه إلى فيلا شيفاني لأول مرة شعرت بثقل يفوق مجموع كل المحن التي مررت بها.
كان المنزل شامخا صامتا نوافذه تعكس سماء رمادية ملبدة.
في ذلك الصباح ضغطت زوجة أبي كافيتا ميهرا على ذراعي داخل السيارة وهمست بحدة
تذكري يا أنانيا هذا الزواج نعمة. لا تجادلي لا تسألي فقط أطيعي.
أومأت بصمت فقد اعتدت ألا يسأل رأيي منذ رحيل أبي.
كان زوجي روهان فيرما يعيش وحيدا في القصر العائلي الواسع ملازما كرسيا متحركا بعد حادث مروع لا يرغب أحد في الخوض في تفاصيله.
أثناء الطريق كان الخدم يتهامسون عن نبوغه كرائد أعمال شاب وعن خطيبته التي هجرته حين وقعت الفاجعة.
وعندما التقيته لم يستقبلني بحفاوة اكتفى بالإشارة إلى المدخل وقال بهدوء
يمكنك البقاء هنا. عيشي كما تشائين. لن أتدخل.
مع مغيب الشمس ومغادرة الخدم بدا البيت فجا غير مرحب.
جلست قرب المدخل لا أدري ماذا أفعل. همست بتردد
أ أستطيع مساعدتك لتكون مرتاحا
نظر إلي بعينين شاحبتين لا تقرأان وقال
لا حاجة لذلك. أعلم أنني عبء.
قلت بصوت مرتجف
لا ليس الأمر كذلك.
تقدمت خطوة وقلت
دعني أساعدك على الصعود إلى السرير.
توقف لحظة لمعة دهشة عابرة في عينيه ثم أومأ.
لففت
اندفع الألم في جسدي وأنا أستجمع نفسي ثم تجمدت حين شعرت بحركة خفيفة تحت الغطاء.
قلت مذهولة
هل ما زلت تشعر بذلك
أطرق رأسه وارتسمت على شفتيه ابتسامة واهنة هشة. قال
يقول الطبيب إنني قد أمشي مجددا مع العلاج الطبيعي. لكن بعد أن رحل الجميع لأنني لم أعد أقف صار المشي أو عدمه بلا معنى.
ظلت كلماته معلقة في الهواء أثقل من أي صمت عرفته.
تلك الليلة لم يغمض لي جفن وظل صدى صوته يتردد بلا انقطاع.
في الأيام التالية بدأت أغير إيقاع حياتنا.
كل صباح كنت أدفعه إلى الشرفة. قلت له ذات مرة
ليس عليك أن تحب الضوء لكن الضوء ما زال يحبك.
توقف عن المقاومة.
سألني صباحا وهو يحدق في الشمس متأففا
لماذا تصرين
أجبته بهدوء
لأن أحدا لا ينبغي أن يترك وحيدا في الظلام.
شيئا فشيئا شجعته على خطوات صغيرة.
أمسك بيدي قلت ففعل وهو يرتجف أول الأمر.
خطوة أخرى ألححت.
كان يسقط أحيانا وكنت أسانده دائما أدلك ساقيه بعد ذلك.
سألني مساء
ألا تخافين
قلت
لا. أخشى فقط أن تستسلم.
تلينت عيناه بعد أن كانتا باردتين بعيدتين.
كانت الليالي تمتلئ بأحاديث هادئة عن ماضينا.
قال لي ذات مساء
في اليوم الذي رحلت فيه حاولت المشي لأشهر. كل خطوة كانت تذكرني بعدميتي.
قلت بلطف
لو بقي أحد هل تحاول من جديد
أجاب
ربما.
كانت تلك الكلمة أعمق وقعا علي من أي ضربة.
في أحد الأيام ظهرت كافيتا يقطع صوتها الحاد المكان
آمل أن تكوني سعيدة الآن. لا تنسي إرسال المال إلى أمك. لقد استثمرت فيك يا أنانيا.
وقبل أن أتمكن من الرد دخل روهان وهو يدفع كرسيه المتحرك بثبات غير معهود كأن في حركته رسالة صامتة.
توقف عند منتصف الغرفة ثم أخرج شيكا ووضعه على الطاولة ببطء محسوب وقال بصوت حازم لا يقبل الجدل
شكرا لأنك أدخلتها حياتي. من هذه اللحظة لا حق لك عليها.
ساد صمت ثقيل كأن الهواء نفسه توقف عن التنفس.
شحبت ملامح كافيتا وارتعشت شفتاها للحظة لكنها لم تجد ما تقوله.
لم يكن المال ما أفقدها القدرة على الكلام بل تلك الجملة الأخيرة.
كانت المرة الأولى التي يسحب فيها نفوذها من يديها علنا والمرة الأولى التي يغلق فيها باب السيطرة في وجهها بلا رجعة.
أما أنا فشعرت بشيء ينكسر داخلي ليس ألما بل قيدا قديما.
لأول مرة في حياتي وقف أحدهم أمامي لا بدافع الشفقة ولا بدافع المصلحة بل فقط لأنني أستحق أن يدافع عني.
غادرت
خطواتها المتسارعة كانت أشبه باعتراف صامت بالهزيمة.
أغلق الباب خلفها وبقيت واقفة لا أعرف كيف أستوعب ما حدث.
التفت إلى روهان فوجدته ينظر إلي نظرة مختلفة لم تكن نظرة المريض ولا نظرة الزوج المفروض بل نظرة إنسان يرى شريكته للمرة الأولى.
قال بهدوء
أردت أن تعرفي أنك لست دينا يسدد ولا صفقة تغلق. أنت هنا لأنك اخترت البقاء وهذا يكفي.
لم أجد ردا.
الكلمات خانتني فاكتفيت بأن وضعت يدي فوق يده.
كانت دافئة ثابتة على عكس ما توقعت.
في تلك اللحظة أدركت أن الشفاء لا يبدأ من الجسد بل من الإحساس بأنك لست وحدك.
مرت الأيام بعد ذلك بهدوء مختلف.
لم يعد البيت يفرض صمته علينا بل صرنا نحن من نمنحه الأصوات.
صرت أستيقظ كل صباح قبل الشروق أفتح النوافذ وأدع الضوء يتسلل إلى الغرف التي أغلقت طويلا.
كان روهان يراقبني من بعيد لا يتدخل لكنه لم يعد ينسحب إلى ظلاله القديمة.
بدأ العلاج الطبيعي جزءا من روتيننا اليومي.
لم يكن سهلا ولم يكن سريعا.
كانت هناك أيام ينجح فيها في الوقوف لثوان وأيام يسقط فيها قبل أن يتم خطوة واحدة.
وفي كل مرة كان يسقط لم يكن الألم الجسدي هو ما ينهكه بل الخوف من العودة إلى نقطة
كنت أجلس إلى جواره بعد كل محاولة فاشلة أمسك ساقيه وأدلكهما ببطء وأقول له
حتى