حملته ليلة زفافنا لأنه لا يستطيع الوقوف

لمحة نيوز

حملته ليلة زفافنا لأنه لا يستطيع الوقوف وبعدها تغير كل شيء
في الصباح الذي اجتزت فيه بوابة الفيلا للمرة الأولى أدركت أنني أترك خلفي آخر ما تبقى لي من يقين. لم يكن الخوف وحده هو ما أثقل صدري بل شعور أعمق أشبه بإدراك متأخر بأن حياتي لم تعد ملكي منذ زمن وأن هذه الخطوة ليست بداية بقدر ما هي امتداد لسلسلة طويلة من القرارات التي اتخذت نيابة عني.
بدت الفيلا من الخارج كأنها كائن ضخم يراقب القادمين إليه في صمت. جدران عالية بلون العاج نوافذ واسعة تعكس سماء مكتئبة وحديقة منسقة بعناية تخفي تحت جمالها نظاما صارما لا يسمح بالفوضى. كل شيء هناك كان منضبطا إلا قلبي.
داخل السيارة ضغطت زوجة أبي كافيتا مهران على ساعدي بقوة متعمدة وكأنها تريد أن تذكرني بمن يملك زمام الأمور. انحنت قليلا وهمست بصوت بارد لا يحتمل النقاش
تذكري يا أميرة هذا الزواج نعمة. لا أسئلة لا اعتراض ولا أوهام. افعلي ما يطلب منك فقط.
أومأت برأسي لا عن اقتناع بل عن عادة. منذ وفاة أبي تعلمت أن الصمت أقل كلفة من المقاومة وأن النجاة أحيانا تعني أن تختفي داخل نفسك.
كان زوجي رائد السالمي يعيش في هذه الفيلا

منذ سنوات وحيدا تقريبا محاطا بالخدم والجدران وملازما كرسيا متحركا منذ حادث غامض يتجنب الجميع ذكر تفاصيله. أثناء الطريق التقطت همسات متفرقة عن عبقريته في عالم الأعمال عن صعوده السريع وعن امرأة كانت تملأ حياته ثم اختفت فور أن فقد القدرة على الوقوف. قصص كثيرة لكن لا أحد تحدث عن الإنسان.
عندما التقيته للمرة الأولى لم يكن المشهد كما تخيلته. لم يكن غاضبا ولا قاسيا بل متعبا على نحو أعمق. جلس خلف مكتب خشبي عريض كتفاه مسترخيتان كمن استسلم منذ زمن وعيناه ثابتتان بلا فضول.
قال بهدوء خال من أي ترحيب
الغرفة في الجناح الشرقي. يمكنك العيش هنا كما تشائين. لن أتدخل.
لم يكن في صوته رفض ولا قبول. كان فقط إعلان انسحاب.
مع مغيب الشمس غادر الخدم واحدا تلو الآخر وبقي البيت ساكنا على نحو مربك. جلست قرب المدخل أستمع إلى صوت الساعة القديمة وأتساءل عما يفترض بي أن أفعله الآن. لم أكن زوجة بالمعنى الحقيقي ولا ضيفة ولا حتى سجينة واضحة المعالم. كنت شيئا بين كل ذلك.
ترددت قليلا قبل أن أقترب منه ثم قلت بصوت خافت
هل هل أستطيع مساعدتك لتكون أكثر راحة
رفع رأسه ببطء ونظر إلي بعينين
باهتتين كأنهما اعتادتا رؤية الشفقة حتى ملتاها.
لا داعي. أنا عبء معتاد.
اهتز صوتي دون قصد
لا ليس الأمر كذلك.
تقدمت خطوة أخرى وكأنني أخوض ماء غير مضمون العمق.
دعني أساعدك على الصعود إلى السرير.
توقف للحظة. ومض شيء في عينيه دهشة سريعة كذكرى بعيدة. ثم أومأ.
لففت ذراعي حول ظهره محاولة أن أستجمع قوة لا أملكها. انزلقت قدماي فوق السجاد الناعم وسقطنا معا سقوطا مكتوما لكنه مؤلم. اندفع الألم في أطرافي لكنني تجمدت عندما شعرت بحركة خفيفة شبه غائبة تحت الغطاء.
همست مذهولة
هل هل ما زلت تشعر
أطرق رأسه وارتسمت على شفتيه ابتسامة واهنة كسور يحاول أن يبدو كاملا.
يقول الأطباء إن الاحتمال موجود مع العلاج الطبيعي. لكن بعد أن رحل الجميع صار المشي أو عدمه بلا معنى.
كانت كلماته أثقل من الصمت نفسه. تلك الليلة لم أنم. ظل صوته يتردد داخلي لا كشكوى بل كحقيقة عارية.
في الأيام التالية بدأت أغير إيقاع حياتنا دون أن أطلب إذنا. كل صباح كنت أدفع كرسيه إلى الشرفة أفتح النوافذ وأدع الضوء يتسلل إلى غرف أغلقت طويلا.
قلت له ذات مرة وأنا أرتب الغطاء فوق ركبتيه
ليس عليك أن تحب الضوء لكن
الضوء ما زال يحبك.
لم يجب لكنه لم يعترض.
سألني صباحا وهو يحدق في الشمس بتبرم
لماذا تصرين
أجبته بهدوء لم أدر من أين أتى
لأن لا أحد يستحق أن يترك وحيدا في الظلام.
شيئا فشيئا بدأت أشجعه على المحاولة. خطوة واحدة. ثم أخرى. كان يرتجف يسقط أحيانا ويغضب كثيرا. وكنت دائما هناك. أسانده أدلك ساقيه وأنتظر أن يهدأ.
قال لي ذات مساء
ألا تخافين
قلت
أخاف فقط أن تستسلم.
في تلك اللحظة رأيت شيئا يلين خلف عينيه الباردتين. لم يكن حبا بعد بل بداية تصدع في جدار اليأس. ومع كل حديث هادئ في الليل وكل صمت مطمئن في الشرفة كنت أشعر أننا دون اتفاق نعيد بناء شيء كسر فينا معا.
ولم أكن أعلم أن هذا البناء الصامت سيضعني قريبا في مواجهة مباشرة مع الماضي ومع كافيتا نفسها.
لم تطل الأيام حتى عادت كافيتا مهران إلى الفيلا كأن حضورها كان أمرا مؤجلا لا مفر منه. دخلت بصوتها الحاد قبل أن تدخل بجسدها يحمل نبرة امتلاك لا تخطئها الأذن. كانت ترتدي ابتسامة مصقولة بعناية لكنها لم تصل إلى عينيها.
قالت وهي تتلفت حولها
يبدو أن الأمور تسير على ما يرام. آمل أنك تؤدين دورك كما ينبغي يا أميرة. ولا تنسي
ما اتفقنا عليه والدتك تحتاج المال وأنا
تم نسخ الرابط