طلقها في غرفة الولادة… فأسقطته من عرش المليارات في صباح واحد
في جناح التعافي الخاص بمستشفى سانت جود كان الهواء معقما باردا وصامتا لا يقطعه سوى صوت أجهزة المراقبة المنتظم وأنفاس طفلين حديثي الولادة تتعاقب بهدوء داخل المهد البلاستيكي القريب من النافذة.
كنت أنا آنا ممددة على سرير المستشفى أشعر وكأن جسدي قد فكك قطعة قطعة ثم أعيد جمعه على عجل. كانت العملية القيصرية معقدة والتوأم ولدا قبل موعدهما وكان التعافي قاسيا إلى حد لا يحتمل. شعري ملتصق بوجهي من شدة التعرق وملامحي خالية من أي زينة وثوب المستشفى ملطخ بآثار الولادة وحليب الأمومة الأولى. كنت أشعر بالهشاشة وبالانكشاف وبإرهاق وصل إلى أعماق عظامي.
كنت أنتظر زوجي.
كنت أنتظر مارك.
كنت أتوقع باقة زهور ودموع فرح وأن يدخل الرجل الذي ساندته خمس سنوات من عمره فينظر إلى طفلينا بالرهبة نفسها التي كانت تتسع في صدري في تلك اللحظة.
انفتح الباب.
لم يكن مارك وحده. دخل ومعه رائحة عطر خشب الصندل الفاخر وصوت نقر كعبين عاليين حادين يخترقان الصمت.
كان مارك يرتدي بدلة إيطالية مفصلة بعناية يبدو بكل تفاصيله مديرا تنفيذيا لشركة فانس غلوبال. وخلفه وقفت كلوي مساعدته التنفيذية. كانت في الثالثة والعشرين من عمرها متألقة بتنورة ضيقة وقميص حريري وشعرها منسدل في تموجات مصففة بعناية كأنها خارجة لتوها من غلاف مجلة. هي بدت كاملة. وأنا بدوت كحطام
لم ينظر مارك إلى المهد.
لم ينظر إلى التوأم.
استقرت عيناه علي وانحرفت شفتاه بابتسامة ازدراء مكشوف.
قال ببرود
يا إلهي انظري إلى نفسك.
اقترب من السرير لكنه أبقى مسافة فاصلة كأن تعبي مرض معد.
همست بصوت مبحوح
مارك الأطفال لقد ولدا.
لوح بيده بلا اكتراث نحو النافذة من دون أن يدير رأسه.
أراهم. هم بخير. المربيات سيأتين لاحقا.
أخرج من حقيبته الجلدية ملفا قانونيا أزرق سميكا وألقاه على صدري. سقط بثقل مؤلم فوق موضع الجراحة فشهقت من شدة الألم.
سألته ويدي ترتجف
ما هذا
قال بهدوء قاتل
أوراق الطلاق. واتفاقية عدم إفشاء. وقعي.
مال العالم من حولي.
طلاق مارك لقد أنجبت قبل ثلاث ساعات فقط.
نظر إلي بازدراء أشد.
وانظري إلى حالك. أنت فوضى يا آنا. منذ شهور وأنت فوضى. بدينة متعبة مملة. صورتك تدمر صورتي.
شد كلوي إليه فضحكت ضحكة رنانة قاسية وأسندت رأسها على كتفه تنظر إلي بعينين ممتلئتين شفقة مصطنعة.
قال مارك منتفخ الصدر
أنا المدير التنفيذي لشركة تقنية بمليارات الدولارات. أحتاج إلى شريكة تعكس مكانتي. شابة نابضة لائقة. كلوي تناسب العلامة. أما أنت فأنت مجرد ربة منزل حالفها الحظ.
حدقت فيه. في الرجل الذي أحببته. الذي بنيته بيدي. كان يعيد كتابة التاريخ أمامي ويصدق كذبته. كان يرى نفسه مركز الكون وأنا مجرد تابع آفل.
قلت بصوت
تتركني من أجلها لأنني أبدو كمن خضعت لجراحة
رد ببرود
أتركك لأنني تجاوزتك. وقعي. ستحصلين على نفقة بسيطة لعامين. الشركة البنتهاوس الأصول كلها لي. إن رفضت سأستنزفك في المحاكم حتى الإفلاس. لدي أفضل المحامين. وأنت لا تملكين شيئا.
اشتد الألم في بطني لكنه كان أقل وطأة من وضوح جديد تشكل داخلي. نظرته المتغطرسة قسوته خواؤه الإنساني كل ذلك أزاح الألم العاطفي وحل محله عقل بارد حاسم.
كان يظنني ضعيفة.
كان يظنني آنا ربة المنزل.
نسي أو تجاهل عمدا الحقيقة القانونية.
نظرت إلى كلوي. كانت تبتسم منتشية بالنصر دون أن تدري أنها تقف فوق باب سيفتح ليسقط بها.
أمسكت القلم.
قلت بهدوء
هل أنت متأكد يا مارك متأكد تماما من أنك تريد إنهاء الرابطة القانونية الآن بعد التوقيع تنفصل الملكيات نهائيا.
ضحك ساخرا
لا تحاولي التهديد. لا تملكين أوراق ضغط. وقعي.
قلت
حسنا.
لم أبك. لم أتوسل. فتحت الملف على صفحة التوقيع وقرأت البند الذي حدده بنفسه
اتفاق الطرفين على الفصل الكامل للأصول وفق الملكية القانونية ويحتفظ كل طرف بما هو مسجل باسمه.
كان يظن أن هذا البند يحمي ثروته.
وكان مخطئا تماما.
وقعت اسمي آنا فانس.
حبر ثابت لا رجعة فيه.
أغلقت الملف احتفظت بنسخة ورميت الأخرى نحوه. انزلقت على الملاءة وسقطت قرب حذائه اللامع.
قلت بهدوء
مبروك
التقط الأوراق بابتسامة جشعة.
أخيرا. كان يجب أن أفعل هذا منذ سنوات.
أغمضت عيني وقلت
اخرج. خذ عشيقتك واخرج من غرفتي. الأطفال بحاجة للنوم.
ضحك ساخرا
بكل سرور. استمتعي بالحفاضات. أنا سأستمتع بحياتي.
أمسك يد كلوي وغادرا الغرفة بخطوات واثقة تاركين خلفهما صمتا كثيفا.
انتظرت حتى تلاشى صدى خطواتهما. ثم فتحت عيني. التقطت هاتف السرير. لم أتصل بمحام. اتصلت بمركز الأمن.
قلت بثبات
هنا آنا فانس. الرمز الأسود. تفعيل بروتوكول انتقال القيادة فورا.
في صباح اليوم التالي أشرقت الشمس على مدينة سان فرانسيسكو وانعكس ضوؤها على أبراج الحي المالي الزجاجية.
استيقظ مارك في غرفة الضيوف بالبنتهاوس. لم يرغب في النوم معي منذ أشهر. شعر بخفة رجل تخلص من عبء ثقيل.
استحم وحلق ذقنه بعناية واختار أغلى بدلة لديه. كان اليوم يومه. سيدخل الشركة يعلن الطلاق ويقدم كلوي كشريكته رسميا. كان ملك فانس غلوبال وبداية عهده الحقيقي.
قاد سيارته الأستون مارتن التابعة للشركة والموسيقى تصدح. تخيل نظرات الإعجاب. وصل إلى الموقف التنفيذي تحت الأرض.
مكانه محجوز لكن وضع فيه مخروط تحذيري.
زمجر غاضبا ولمح عدم وجود جيري عامل الموقف المعتاد.
حمقى تمتم. سأفصله لاحقا.
ركن في موقف الزوار وتوجه إلى المصعد التنفيذي الخاص ومرر بطاقته السوداء.
صدر صوت حاد وأضاء الضوء الأحمر
الدخول مرفوض.
حاول مرة أخرى.
الدخول