6 سنوات وأنا ألوم نفسي حتى كشف المستشفى الجريمة التي صدمت الجميع

لمحة نيوز


لم يصل إلى صدري بسهولة. مررت بآباء يحملون أطفالهم الصغار أمهات يدفعن عربات الرضع يبتسمن يهمسن بكلمات دافئة يضحكن دون خوف. توقفت للحظة وكأن مشهدا عاديا كهذا صفعني بقوة. أدركت فجأة وبوضوح موجع كم سرق مني على مدى ست سنوات كاملة. لم تكن سرقة حياة ليام وحدها بل سرقة إحساسي بالأمان وثقتي بنفسي وكرامتي كأم وحقي في الحزن النظيف غير الملوث بالذنب.
تركني دانيال أعيش مقتنعة بأنني السبب بأنني معطوبة بأن جسدي خانني وأن جيناتي جلبت الموت إلى طفلي. تركني أواجه ليالي طويلة من البكاء الصامت أعيد فيها شريط الأيام الأخيرة أفتش في ذاكرتي عن خطأ ارتكبته أو إشارة تجاهلتها. تركني أختنق بأسئلة بلا إجابات بينما كان هو يعيش حرا ينتقل من حياة إلى أخرى يحمل سرا مظلما لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه.
لكن ليس بعد الآن.
في الأسابيع التالية انفجرت القصة في وسائل الإعلام. عناوين صادمة صور قديمة لدانيال تساؤلات غاضبة وتعليقات لا تنتهي. اعتقال أب في قضية وفاة رضيع ظلت بلا حل لسنوات جريمة داخل وحدة حديثي الولادة الطمع وراء مأساة طفل. كنت

أقرأ العناوين أحيانا وأغلق الهاتف أحيانا أخرى. لم أكن أبحث عن تعاطف ولا عن شفقة. ما أردته فقط هو أن يسمى ما حدث باسمه الحقيقي جريمة.
بدأ أشخاص من ماضي بالتواصل معي. أصدقاء قدامى اختفوا بعد الطلاق زملاء عمل سابقون حتى بعض أفراد عائلة دانيال. بعضهم اعتذر بصدق لأنه صدق روايته لأنه لم يقف إلى جانبي حين كنت في أمس الحاجة إلى من يصدقني. آخرون قالوا إنهم شعروا دائما بأن شيئا ما لم يكن طبيعيا في بروده في سرعة تجاوزه للمأساة لكنهم لم يعرفوا كيف يتدخلون. كنت أستمع وأشكرهم وأدرك أن الصمت أحيانا لا يكون شرا متعمدا بل خوفا وعجزا.
عدت إلى العلاج النفسي لكن هذه المرة كنت شخصا مختلفا. لم أعد المرأة التي تأتي محملة بالذنب فقط بل امرأة تبحث عن إعادة بناء ذاتها على أساس الحقيقة. تحدثت مطولا عن السنوات التي عشتها وأنا أعاقب نفسي على جريمة لم أرتكبها عن الليالي التي كنت أستيقظ فيها مفزوعة أسمع بكاء طفل لا وجود له عن الشعور الدائم بأنني لا أستحق الفرح.
قالت لي معالجتي ذات جلسة بصوت هادئ لكنه حاسم
أنت لم تفقدي ابنك فقط. لقد
سرقت منك روايتك عن نفسك. حملت ذنبا لم يكن لك.
تلك الجملة اخترقتني بعمق. للمرة الأولى سمحت لنفسي أن أرى الأمور بوضوح لم أكن أما فاشلة ولم أكن امرأة معيبة. كنت ضحية جريمة وضحية خيانة مزدوجة خيانة زوج وخيانة نظام لم يدقق بما يكفي في وفاة طفل ضعيف لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
بدأت أستعيد تفاصيل صغيرة كنت قد دفنتها. نظرات دانيال الباردة اهتمامه المفاجئ بالأوراق والتوقيعات بعد الولادة إصراره على التعجيل بالطلاق محاولاته الدائمة لدفع الحديث بعيدا عن المستشفى. كل تلك الإشارات التي بدت لي آنذاك مجرد تصرفات شخص محطم صارت الآن قطعا واضحة في لغز كبير.
ومع مرور الوقت بدأت أتنفس بطريقة مختلفة. لم يعد الحزن يلتهمني بالكامل. صار موجودا نعم لكنه لم يعد السيد المطلق لحياتي. صرت أسمح لنفسي بالضحك أحيانا دون أن أشعر بالخيانة. صرت أخرج في نزهات قصيرة أقرأ أكتب وأعيد التواصل مع العالم خطوة خطوة.
في أحد الأيام قررت أن أزرع شجرة تخليدا لذكرى ليام. اخترت حديقة صغيرة قريبة من منزلي هادئة مليئة بالأشجار القديمة. حفرت بيدي غرست الشتلة
وسقيتها بالماء. لم أبك كثيرا. شعرت بشيء أقرب إلى السلام. قلت له في سري إنني آسفة لأنني لم أستطع حمايته لكنني وعدته بأنني لن أسمح للحقيقة أن تدفن معه.
أزور تلك الشجرة كثيرا. أجلس قربها أراقب تغير الفصول نمو الأوراق تساقطها ثم عودتها. لا أزورها لأغرق في الحزن بل لأتنفس لأتذكر أن الحياة رغم قسوتها قادرة على الاستمرار وأن العدالة وإن تأخرت يمكن أن تصل.
قضية دانيال ما زالت مستمرة في المحاكم. أعلم أن الطريق طويل وأن لا حكم سيعيد لي ابني. لكن ما استعدته لا يقل قيمة اسمي وكرامتي وصدقي مع نفسي. لم أعد تلك المرأة التي تمشي ورأسها منكس تحمل ذنبا ليس لها. صرت امرأة تعرف الحقيقة وتعيش معها وتمضي قدما دون أن تنسى.
ربما لن أشفى تماما. ربما سيظل هناك فراغ لا يملؤه شيء. لكنني تعلمت أن الفراغ لا يعني الانكسار وأن الألم يمكن أن يتحول إلى قوة هادئة صلبة لا تصرخ لكنها لا تنكسر.
وهكذا للمرة الأولى منذ وفاة ليام لا أعيش فقط لأتجاوز اليوم بل لأبني غدا. غدا يحمل في طياته ذكرى ابني لا كجرح مفتوح بل كجزء من قصة امرأة نجت وقررت أخيرا
أن تعيش.

 

تم نسخ الرابط