سافرت 12 ساعة لأرى حفيدي فطُردت من غرفة الولادة، وبعدها رفضت دفع الفاتورة

لمحة نيوز

سافرت 12 ساعة لأرى حفيدي فطردت من غرفة الولادة وبعدها رفضت دفع الفاتورة
لم تكن أمينة تتذكر متى بدأت الرحلة بالضبط لكنها كانت متأكدة أن الزمن داخل الحافلة لا يشبه الزمن خارجها. الساعات الاثنتا عشرة تمددت حتى صارت كتلة واحدة من الإرهاق الصامت ومع ذلك لم تشعر بثقل جسدها بقدر ما شعرت بثقل الشوق. ظهرها يؤلمها وركبتاها المتصلبتان من أثر السنين تحتجان بصمت لكنها كانت تمسك حقيبة قماشية صغيرة فوق فخذيها كما لو كانت كنزا هشا تخشى عليه من العالم.
داخل الحقيبة بطانية حيكت غرزة غرزة ليلة بعد أخرى على ضوء مصباح أصفر ضعيف. صوف كريمي ناعم اختارته بعناية لأن الألوان الفاتحة في نظرها تمنح الأطفال إحساسا بالأمان. كانت هذه أول مرة تنتظر فيها لقب جدة أول مرة تشعر أن العمر رغم قسوته قرر أن يكافئها بشيء دافئ.
منذ أن أخبرها ابنها سامر أن زوجته حامل تغير إيقاع أيامها. صارت تستيقظ على أفكار صغيرة كيف سيبدو الطفل هل سيشبه أباه هل ستناديها زوجة ابنها أمي يوما لم تكن تطلب أكثر من مكان هادئ في الهامش نظرة امتنان أو دقيقة واحدة تحمل فيها حفيدها.
حين وصلت إلى المستشفى بدا المبنى كأنه قطعة باردة من مدينة أخرى. زجاج لامع فولاذ صامت وهواء معقم يخلو من أي دفء إنساني. وقفت أمام

الأبواب الأوتوماتيكية عدلت طرحتها وسوت خصلات شعرها التي أرهقها السفر ثم أخذت نفسا عميقا كأنها تدخل امتحانا مصيريا.
لكن أول خطوة داخل صالة الانتظار كانت كافية لتكسر الصورة التي بنتها طوال الرحلة.
لم يركض سامر نحوها. لم يفتح ذراعيه. رأته من بعيد يسير جيئة وذهابا يضغط بيده على عنقه وعيناه معلقتان بالأرض. ذلك القلق القديم الذي تعرفه منذ طفولته حين كان يخطئ ثم يخشى المواجهة.
اقترب منها ببطء. ابتسمت لكن ابتسامتها بقيت معلقة في الهواء بلا رد.
قالت بصوت حاولت أن تجعله خفيفا
حمدا لله على السلامة يا بني كيف حال زوجتك والطفل هل يمكنني رؤيته
لم يجبها فورا. مد يده ووضعها على كتفها لا كعناق بل كحاجز. نظرت خلفه فرأت باب غرفة تنساب منه ضحكات مكتومة أصوات دافئة حياة كاملة تعاش دونها.
قال بصوت منخفض
أمي انتظري قليلا. الوضع معقد.
انقبض صدرها.
ماذا تعني
تنحنح وكأنه يبتلع شيئا مرا
الولادة كانت متعبة. وهي طلبت أن يكون الموجودون فقط عائلتها المقربة.
ساد صمت قصير لكنه كان كافيا ليحدث شقا داخليا.
قالت ببطء
وأنا أنا ماذا أكون
تجنب عينيها.
أنت تعرفين الأمور حساسة الآن.
اقتربت خطوة.
سافرت اثنتي عشرة ساعة يا سامر. أريد دقيقة واحدة فقط. أضع البطانية أقبل الطفل وأغادر.
رفع
رأسه أخيرا وقال الجملة التي لم تكن بحاجة لسماعها لكنها سمعت
هي لا تشعر بالارتياح بوجودك. تقول إنك توترينها.
لم تسمع ما بعد ذلك. الكلمات فقدت معناها وصارت الضحكات القادمة من الغرفة المجاورة أشبه بسكاكين صغيرة. شعرت ببرودة تسري في عمودها الفقري لا علاقة لها بالمكيفات.
هزت رأسها ببطء.
فهمت.
لم تبك. لم ترفع صوتها. فقط استدارت والحقيبة ما زالت بين ذراعيها وخرجت كما دخلت بصمت لكن بقلب مثقل بما لم يقل.
بعد ثلاثة أيام كانت تقف في مطبخها الصغير تراقب المطر ينساب على زجاج النافذة. رنين الهاتف الأرضي قطع السكون. كان رقما رسميا.
السيدة أمينة نتصل من إدارة الحسابات في المستشفى
استمعت بهدوء إلى التفاصيل إقامة خاصة تكاليف إضافية مبلغ متبق ضرورة السداد قبل الخروج.
أغلقت عينيها لحظة. عادت إليها صورة الباب المغلق اليد التي منعتها من العبور الجملة التي قالت إنها تتوتر.
قالت بصوت ثابت
أعتقد أن هناك خطأ. إن كانت العائلة مرحبا بها في غرفة الولادة فلتكن مرحبا بها أيضا في الفاتورة. اسمي أدرج خطأ.
ارتبكت الموظفة.
لكن اسمك مسجل كجهة ضامنة
احذفوه. واتصلوا بعائلة الزوجة. مساء الخير.
أغلقت الهاتف. شعرت برجفة خفيفة في يديها ليست خوفا بل إحساسا جديدا غريبا يشبه التحرر.
كانت
تعرف لأول مرة أنها وضعت حدا.
حدا لم تضعه من قبل.
لم تمض ساعة على إغلاق أمينة للهاتف حتى بدأ المحمول يهتز فوق الطاولة. عرفت الاسم قبل أن تنظر. سامر. تركته يرن مرة ثم ثانية ثم ثالثة. كانت بحاجة إلى تلك الثواني القليلة لتثبيت القرار في صدرها كمن يغرس قدمه في أرض لينة قبل أن ينهار.
أجابت أخيرا.
نعم يا سامر.
جاء صوته مشدودا متوترا كأن الكلمات تتدافع فيه
ماذا فعلت المستشفى اتصلت بي الآن. قالوا إنك رفضت الدفع! لا يمكننا الخروج هكذا المبلغ كبير والإجراءات معقدة!
جلست أمينة ببطء على الكرسي الخشبي قرب النافذة.
لم أفعل شيئا يا بني. فقط صححت خطأ.
أي خطأ أنت تعرفين أننا لا نملك هذا المبلغ الآن! ظننت أنك ستقفين معنا كما تفعلين دائما. إنه حفيدك!
تنفست بعمق ثم قالت بهدوء لم تعهده في صوتها من قبل
بالضبط. حفيدي. الطفل نفسه الذي لم يسمح لي برؤيته. قلت لي بوضوح إن وجودي غير مريح. الكلمات يا سامر ليست هواء. لها ثمن.
ارتفع صوته
هذا انتقام!
ابتسمت ابتسامة حزينة لا يراها.
لا. هذا اسمه كرامة. إن كنت غير مناسبة للحظة الفرح فلست مناسبة أيضا لتحمل الفاتورة.
ساد صمت ثقيل. كانت تعرف ما يدور في ذهنه. والدا زوجته موجودان لكنهما لا يتحركان إلا حين تكون الصورة جميلة بلا التزامات.

قال أخيرا بصوت أخفض
هما لا يستطيعان الآن.
إذا
تم نسخ الرابط