بناته العميان ركضن نحو امرأة غريبة في الساحةوما اكتشفه الأب بعدها غيّر حياتهم للأبد
لم يكن سامر الخالدي ممّن يلتفتون بسهولة إلى ما يحدث خلفهم. اعتاد أن يمشي ورأسه ممتلئ، محاطًا بضجيج أفكاره أكثر من ضجيج الشوارع. لكن ذلك العصر، في الساحة القديمة المتاخمة للنهر، اخترق سكونه شيء غير مرئي؛ خللٌ دقيق في الإيقاع، كما لو أنّ الزمن تعثّر خطوة واحدة ثم استقام.
توقّف دون وعي، وخفَتَ وهج الهاتف في يده.
كان المكان مكتظًا بالناس، بائعو الكستناء، أطفال يطاردون الحمام، سائحون يلتقطون صورًا بلا اكتراث، ومع ذلك شعر سامر بأن الهواء من حوله انقبض، وأن جسده التقط إنذارًا لا تفسير له.
ثم رآهنّ.
بناته الثلاث.
لم يكن مشهدًا مألوفًا. لم يكن طبيعيًا. لم يكن ممكنًا.
لم يكنّ يمشين إلى جوار المربية كما يفعلن دائمًا، متشبثات بحواف ملابسها، خطواتهنّ محسوبة، رؤوسهنّ مائلة قليلًا بحثًا عن صوت أو ملمس. كنّ يركضن. يندفعن بخفةٍ حادّة، كأن الأرض تحفظ طريق أقدامهنّ. لم يتعثرن. لم يترددن. لم يصطدمن بأحد.
تفادين عازف الشارع قبل أن يرفع كمانه، التففن حول دراجة طفل، تجاوزن امرأة
صرخت المربية، وقد انفلت صوتها من السيطرة:
«توقفن! بالله عليكنّ!»
لكن الصراخ لم يكن له معنى.
شعر سامر بقلبه يقفز في صدره، ونادى أسماءهنّ، نداءً مبحوحًا متأخرًا، لأن الحقيقة كانت أسرع منه.
هناك، قرب نافورة حجرية قديمة، جلست امرأة مسنّة، شعرها أبيض كثيف، كتفاها منكمشتان داخل معطف داكن، وعيناها تتابعان المشهد كمن كان ينتظر.
اندفعت البنات إلى حضنها.
لم يتوقفن عندها. لم يتفحصنها. لم يتساءلن.
ألقين بأنفسهنّ بين ذراعيها المفتوحتين، كما لو أنّ المكان خُلق من أجلهنّ.
قالت إحداهنّ بفرح صافٍ:
«جدّتنا.»
تجمّد سامر.
لم تكن الكلمة وحدها ما شلّه، بل اليقين الذي خرج بها الصوت. لا تردد. لا خطأ. لا محاولة.
اقترب بخطوات مترددة، يشعر بأن جسده ينهار من الداخل. بناته، اللواتي أُعلن فقدانهنّ البصر منذ سنواتهنّ الأولى، يرفعن وجوههنّ، عيونهنّ مفتوحة، مركّزة، ثابتة على وجه امرأة لا يعرفها.
لفّت العجوز ذراعيها حولهنّ بحنان عميق، حنان
قال سامر، وصوته خرج أقسى مما أراد:
«ابتعدي عنهنّ. من أنتِ؟»
رفعت المرأة رأسها ببطء. لم يكن في نظرتها خوف ولا ارتباك، بل حزنٌ مستقر، كأنها حملته طويلًا حتى صار جزءًا من ملامحها.
قالت بهدوء:
«لم أنادِهنّ. هنّ من جئن.»
استدارت إحدى الفتيات نحو سامر. لا نحو صوته، بل نحوه هو.
قالت:
«لماذا لم تخبرنا عنها يا أبي؟»
شعر بأن الأرض تسحب من تحت قدميه.
تمتم:
«أنتِ… لا تستطيعين الرؤية.»
أجابت أخرى، وكأن الأمر بديهي:
«نحن نرى عندما تكون هنا.»
مدّت الثالثة يدها ولمست خدّ العجوز ببطء، تتحسس خطوط وجهها بثقة من يعرف.
قالت:
«رائحتها تشبه رائحة أمّي. نفس الدفء.»
انهار العالم الخارجي.
لم يبقَ سوى تلك الدائرة الصغيرة من الذهول، وصمت المربية التي عجزت عن تفسير ما ترى، وعقل سامر الذي رفض أن يستوعب.
في المساء، بدا البيت غريبًا.
لم يكن في الأثاث، ولا في الضوء، بل في الأصوات. بناته يتحدثن بلا توقف. يصفن ألوان الغروب، انعكاس الشمس على الماء،
وقف عند باب الغرفة وسأل أخيرًا:
«كيف تعرفن كل هذا؟»
قالت إحداهنّ ببساطة:
«رأيناه.»
قال:
«لم ترين من قبل.»
ردّت الأخرى بهدوء أقسى من الصراخ:
«لم نكن نعرف كيف.»
لم ينم سامر تلك الليلة.
جلس في مكتبه، بين أوراق قديمة وصورة زوجته الراحلة، ليلى. كانت تبتسم في الصورة ابتسامة يعرفها، ابتسامة امرأة كانت تؤمن بالحدس، وتخاف من السيطرة، وتحذّره دائمًا من التسليم الأعمى لما يُقال باسم العلم أو الحماية.
في الصباح، عاد إلى الساحة.
كانت المرأة هناك.
كأنها لم تغادر.
جلست في المكان ذاته، تنتظره دون أن تنظر حولها. وحين اقترب، قالت بهدوء:
«أنت تبحث عن الحقيقة.»
جلس إلى جوارها. سمع قصتها قطعة قطعة. اسمها سعاد النجار. قبل عقود، أُجبرت على التخلي عن ابنتها تحت ضغط وخداع، أقنعوها أن الطفلة ستعيش أفضل بعيدًا عنها.
قالت، وصوتها يرتجف بثبات:
«تلك الطفلة كانت ليلى. زوجتك.»
شعر سامر أن ما تبقى من
ولم يكن يعرف بعد أن ما سيسمعه لاحقًا سيكون أشد قسوة.