الطيبـه تغيـر مصـائر.. كن طيبـا..

لمحة نيوز

ولد شوارع اتسلق سور فيلا في المعادي علشان ينقذ بنت كانت هتموت من البرد
وأبوها رجل الأعمال شاف كل حاجة وقرر يعاقبه لأنه اخترق قواعده
كانت أبرد ليلة عدت على القاهرة من سنين.
برد يناير ما كانش بس في الجو
كان في العضم.
في النفس.
في الصدر اللي بيتقفل مع كل نفس.
الهوا كان بيزأر بين العمارات
يخبط في الشبابيك
ويعدي في الشوارع الفاضية
كأنه بيدور على حد يكمل عليه.
يوم 14 فبراير.
عيد الحب.
وسط البلد مولع أنوار
قلوب حمرا في كل حتة
محلات الورد فاتحة لآخر الليل
ناس ماسكة إيد بعض
ضحك
وعشا رومانسي على النيل.
لكن بالنسبة ل يوسف عبدالعزيز
ما كانش في عيد.
كان في برد وبس.
وجوع وبس.
وسؤال واحد بيصحى معاه كل يوم وينام معاه كل ليلة
أنام فين الليلة علشان أعرف أصحى الصبح
يوسف عنده 12 سنة.
رفيع زيادة عن اللزوم
كأنه اتولد من غير حماية.
هدومه أوسع منه بدرجتين
جزمة قديمة مقطوعة من الجنب
وصوابعه مشققة من البرد
زي أرض عطشانة.
شد الجاكيت الأزرق القديم اللي لابسه على صدره.
سوستته بايظة.
أكمامه قصيرة.
ريحته شوارع
دخان تراب وبقايا مطر.
بس الجاكيت ده
كان آخر حاجة أمه اشترتهاله.
أمينة عبدالعزيز
كانت بتحارب السرطان بقالها سنتين.
حتى وهي بتضعف
حتى وهي بتقع
كانت

ماسكة إيد ابنها.
قالتله في آخر مرة شافها
على سرير مستشفى القصر العيني
بصوت مبحوح
بس ثابت
الدنيا هتشد منك يا يوسف
بس ما تسيبهاش تاخد قلبك.
الطيبة هي الحاجة الوحيدة
اللي محدش يقدر يسرقها.
يوسف ما كانش فاهم يعني إيه موت.
بس كان فاهم يعني إيه
يمسك في الكلام
لما كل حاجة حواليه بتضيع.
بعد الجنازة
الدولة ودته دار رعاية.
الأسرة اللي خدته في شبرا
كانت مثالية قدام الشؤون الاجتماعية.
ضحك.
كلام حلو.
بيت مستقر.
وأول ما الباب يقفل
يتحولوا ناس تانية.
مش عايزين طفل.
عايزين المعاش.
يوسف اتعلم دروس عمره ما كان لازم يتعلمها
ياكل بعد الكل
يسكت
يستحمل الحزام
يعرف يعني إيه أوضة ضلمة تحت السلم
ويستوعب إن الغلط دايما عليه
وفي ليلة
ظهره مولع
وكرامته مكسورة
قرر إن الشارع أرحم من البيت ده.
الشارع ما كانش رحيم
بس كان صادق.
في الشارع
يوسف اتعلم حاجات المدرسة ما بتعلمهاش
أنهي فرن بيرمي عيش لسه سخن
أنهي محطة مترو بتفضل دافية شوية بعد نص الليل
إزاي يختفي لما يشوف كمين
وإزاي ينام وعينه مفتوحة
كبر بدري.
من غير ما يكبر.
بس الليلة دي
كانت مختلفة.
الأرصاد محذرة طول اليوم موجة برد قارس أخطر من الطبيعي
الملاجئ مليانة.
الشوارع فاضية.
وكل الناس مستخبية جوه بيوتها.

يوسف ماشي وبطانية قديمة تحت دراعه.
مبلولة.
ريحتها عفن.
بس أحسن من ولا حاجة.
صوابعه شبه متلجة.
رجليه تقيلة
كأنه شايل حديد.
كان محتاج دفا
حيطان
وحاجة تخليه يعيش
وساعتها دخل شارع
كان دايما بيتجنبه
شارع في المعادي.
فيلات كبيرة.
بوابات حديد.
كاميرات في كل حتة.
جناين متقصقصة
حتى في عز الشتا.
يوسف عرف فورا مش مكانه.
ولد شوارع هنا مصيبة.
وطى راسه وسرع خطوه
لحد ما سمع الصوت.
مش صريخ.
ولا عياط.
نشهيق صغير مكسور
ضعيف
الهوا كان هيبلعه.
وقف يوسف مكانه.
لف وبص
وشافها.
ورا بوابة سودة عالية.
بنت صغيرة
قاعدة على سلم فيلا كبيرة.
لابسة بيجامة وردي خفيفة.
من غير جزمة.
شعرها مبلول.
وجسمها بيترعش
لدرجة إن سنانها بتخبط في بعض.
كل إحساس جواه قاله امشي مالكش دعوة دي مصيبة.
بس لما رفعت وشها وبصتله
شاف نفس النظرة.
نظرة ناس في الشارع
بطلت تستنى النجدة.
قرب من البوابة وقال بهدوء إنتي كويسة
حاولت ترد
صوتها ما طلعش.
قالت بعد مجهود بابا سافر
والباب قفل.
يوسف مد إيده من بين القضبان.
إيدها كانت تلج.
إنتي هتموتي من البرد.
لف حواليه.
الشارع فاضي.
الفيلا مقفولة.
الكاميرات شغالة.
لو حد شافه
هيتحبس.
هيتضرب.
هيتقال عليه حرامي.
صوت أمه رجع في دماغه.
الطيبة
خلع
الجاكيت الأزرق.
وحشره من بين القضبان.
البنت مسكته كأنه كنز.
بس جسمها كان بيزرق.
يوسف بص للسور.
عالي
بس اتسلق أسوأ منه.
بلع ريقه.
وطلع.
إيده اتجرحت.
ركبته خبطت.
القلب بيخبط أسرع.
نط جوه الجنينة.
جري عليها.
لف البطانية عليها.
اسمي يوسف
مش هسيبك.
بعد عشر دقايق
أنوار عربية فخمة دخلت الجنينة.
راجل نازل.
بدلة سودة.
ملامح جامدة.
كان فارس الدسوقي.
رجل أعمال معروف.
وقف
شاف المشهد كله.
ولد شوارع.
بنته.
بطانية.
الأمن جري.
يوسف ما هربش.
قال بصوت ثابت أنا ما سرقتش حاجة
هي كانت هتموت.
فارس سكت.
وبعد لحظة قال إنت دخلت بيتي من غير إذن.
يوسف رد وأنا خرجت بنتك من الموت.
الصمت كان تقيل.
فارس بص لبنته
كانت نامت 
قال خدوه.
يوسف قلبه وقع.
بس مش على نفسه
على البنت.
دخلوا الفيلا.
دفا.
دكتور.
بطاطين.
فارس وقف قدامه إنت كسرت كل قواعدي.
يوسف رد القواعد اللي تسيب طفلة تموت
تتكسر.
فارس سكت طويل.
وبعدين قال عقابك
إنك مش هترجع الشارع تاني.
يوسف رفع عينه لأول مرة.
من النهارده
إنت مسؤول عنها
وأنت مسؤول عن نفسك.
سنين عدت.
يوسف دخل مدرسة.
اتعلم.
كبر.
وفارس
اتعلم معنى الطيبة
متأخر.
والبرد
علمهم كلهم
إن الرحمة
أقوى من أي قواعد.
ولد شوارع نام تحت كوبري وصحي
على صراخ طفلة حبسته أمها بالغلط واللي حصل بعدها قلب حياة الاتنين
كانت ليلة تقيلة على القاهرة.
مش برد قوي
بس رطوبة خانقة
والهوا واقف
والشوارع كأنها بتتنفس بالعافية.
تحت كوبري الجلاء
كان آدم نايم على كرتونة مفروشة على الأرض.
آدم
تم نسخ الرابط