ثلاث بنات صغار في مواجهة القدر
امتنا ماتت النهارده الصبح… ومفيش لينا حد نروحه ، فردّ الفلاح بهدوء: يبقى إنتوا في بيتكم
ثلاث بنات بيخبطوا علي باب شاب بالثلاثينات انيق وسيم=
امتنا ماتت النهارده الصبح… ومفيش لينا حد نروحه ، فردّ الفلاح بهدوء: يبقى إنتوا في بيتكم
وعد بيتقال بصوت واطي، عند طرف قبر متجمد في عز الشتا، ممكن يبقى تقيل أكتر من سلاح.
حسن عبدالعاطي ما فهمش المعنى ده غير متأخر… لما البرد نشّف صوابعه، والوحدة خلت صوته خشن كأنه ما اتستخ,دمش من زمان….في قرية النجع القبلي، كانوا يعرفوه باسم حسن صاحب الأرض.
راجل كلامه قليل، نظرته ثابتة، يعامل البهايم أحنّ من ما يعامل نمّامي البلد.
محدش كان بيحب يفتكر أو يمكن محدش كان يعرف إنه من خمس شتويات فاتوا، خسر مراته وطفله في نفس الليلة.
سعاد ماتت وهي بتولد..والطفل ملحقش ياخد نفس واحد…
من يومها،البيت الكبير بقى فاضي إلا من صوت جزمته وهو ماشي لوحده، وصوت الراديو لما يحب يسكّت دماغه،
وصوت الهوا وهو يخبط في الشبابيك الخشب كأنه عايز يدخل يحاسبه على حاجة.
في صباح شتا تقيل، الصمت اتكسر بخبطة خفيفة على الباب.
حسن كان بيصب الشاي لما سمع الخبطة التانية… أضعف، كأن اللي واقف برّه متردد، خايف يزعج.
فتح الباب… الهواء لسع وشه.
والدكة قدّام البيت كانت مغطية تلج خفيف وطين.
وهناك…واقفـين تلات بنات، بيترعشوا.
الكبيرة شفايفها مشرّخة، ونظرتها جامدة…نظرة
وفي النص، بنت شعرها أسود، مربوط بنص توكة قديمة، بتبص له بخوف متحدّي…كأنها فاهمة إن الشفقة حلوة، بس مش دايمًا أمان.
مامتنا ماتت النهارده الصبح… ومفيش لينا حد نروحه
قالتها الكبيرة، وصوتها ثابت…رغم إن جسمها كله كان بيرتعش.
حسن حسّ الدفا اللي في صدره طفى.
ما شافش عيال غريبة.
شاف ماضي كان فاكره اندفن مع سعاد.حاول يبلع ريقه…
زوره كان ناشف…..
يبقى… إنتوا وصلتوا بيتكم…قالها من غير تفكير،
واتفاجئ بنفسه…كأن الجملة دي كانت محضّرة له من سنين.
دخلهم….دفا الدكانة مسك فيهم مرة واحدة…الهدوم المبلولة نزّلت نقط على الأرض….ريحتهم دخان بعيد…
كأنهم جايين من طريق طويل عدّوا فيه على نار مش باينة.
جاب لهم بطاطين نضيفة،…جلابيات قديمة،شرابات صوف.
ما سألش كتير في الأول….الفقير ساعات بيوجعه الكلاد
الكبيرة اتكلمت لما الشوربة سخنت على الترابيزة:
انا اسمي آمنة. دي ليلى… والصغيرة رحمة، بس بنقول لها رورو.
— ماما قالت لو حصلها حاجة… نديك ده….مدّت له لفّة قماش، مخيّطة بخيط أزرق….حسن اتجمّد….الخيط ده…سعاد كانت بتستخدمه….نفس اللون…نفس الغرزة…ذىب..قشعريرة في ضهره.
— اسم أمكم كان إيه؟
سأل بهدوء مش حقيقي: مريم
والاسم وقع في المكان…زي حجر تقيل في قلبه.
مريم…الاسم ده قاله زمان، جنب الترعة،
والقمر
مريم كانت صاحبة سعاد…وقبل سعاد، كانت الست اللي كان ممكن تبقى مراته.
آخر مرة شافها، قالت له:
ربنا يسعدك…ومشيت، مكسورة… بس واقفة.
فك القماشة بإيدين بترتعش….جواها جواب…ودبلة فضة محفور عليها وردة صغيرة….فتح الجواب…
وقرأ،
وحسّ كأن قلبه اتحط بين إيديه: حسن،
لو بتقرا الرسالة دي، يبقى أنا مش موجودة أشرح…
ما كانش عندي وقت….واثقة في كلمتك…
الكلمة اللي قلتها جنب قبر سعاد،
لما وعدت إن بابك يفضل مفتوح للي مالوش حد.
بناتي مالهمش حد….وفيه حاجة لازم تعرفها…
ليلى تبقي ..بنتك.. حسن يصلها بصدمه… وو
«مامتنا ماتت النهارده الصبح… ومفيش لينا حد نروحه»
قالتها البنت، فالفلاح رد بهدوء: «يبقى إنتوا وصلتوا بيتكم»
وعد بيتقال بصوت واطي، عند طرف قبر متجمد، ممكن يطلع أتقل من جبل.
حسن عبدالعاطي ما فهمش ده غير بعد سنين، لما الوحدة نشّفت صوته، والشتا بقى ساكن جواه.
في قرية النجع القبلي، كانوا يعرفوه باسم حسن بتاع الأرض.
راجل كلامه قليل، نظرته مستقيمة، يعامل الغيط والبهيمة برحمة، ويتجنب الناس اللي بتحب الكلام أكتر من الحق.
محدش كان فاكر — أو محدش كان حابب يفتكر — إن من خمس شتويات فاتوا، حسن دفن مراته وطفله في نفس الليلة.
سعاد ماتت وهي بتولد.
والطفل لحق ياخد نفس واحد… وبس.
من يومها،
البيت الكبير بقى فاضي إلا من صوت جزمة حسن وهو ماشي لوحده،
وصوت الراديو لما يحب يهرب من التفكير،
وصوت الهوا وهو يخبط في الشبابيك الخشب كأنه بيعاتبه
في صباح شتا تقيل، الصمت اتكسر بخبطة خفيفة على الباب.
حسن كان بيصب الشاي لما سمع الخبطة التانية… أضعف، كأن اللي واقف برّه خايف يزعج.
فتح الباب.
الهوا لسع وشه.
والدكة قدّام البيت كانت مليانة تلج خفيف وطين.
وهناك…
واقفـين تلات بنات، بيرتعشوا.
الكبيرة شفايفها مشرّخة، ونظرتها ثابتة…
نظرة حد شاف الدنيا بدري.
ماسكة إيد بنت صغيرة حضنة عروسة قماش بايظة.
وفي النص، بنت شعرها أسود، مربوط بنص توكة قديمة، بتبص له بخوف متحدّي…
كأنها فاهمة إن الشفقة حلوة، بس مش دايمًا أمان.
— مامتنا ماتت النهارده الصبح… ومفيش لينا حد نروحه
قالتها الكبيرة، وصوتها ثابت،
رغم إن جسمها كله كان بيرتعش.
حسن حسّ الدفا اللي جواه طفى.
ما شافش غرب.
شاف ماضي كان فاكره انتهى.
— يبقى… إنتوا وصلتوا بيتكم
قالها من غير تفكير،
واتفاجئ بنفسه…
كأن الجملة دي كانت مستنياه طول عمره.
دخلهم.
دفا الد مرة واحدة.
الهدوم المبلولة نزّلت نقط على الأرض.
ريحتهم دخان بعيد…
كأنهم مشيوا في طريق طويل عدّى على وجع كتير.
جاب لهم بطاطين،
جلابيات قديمة،
شرابات صوف.
ما سألش كتير.
الفقر ساعات بيكسر الكلام.
لما الشوربة سخنت، الكبيرة اتكلمت:
— اسمي آمنة.
دي ليلى…
والصغيرة رحمة، بس بنناديها رورو.
— ماما قالت لو
مدّت له لفّة قماش، مخيّطة بخيط أزرق.
حسن اتجمّد.
الخيط ده…
سعاد كانت بتستخدمه.
نفس اللون.
نفس الغرزة.
— اسم أمكم كان إيه؟
سأل بهدوء مش حقيقي.
— مريم.
الاسم وقع في صدره زي حجر.