ما يخفيه القدر

لمحة نيوز

( يالا غور من هنا يا راجل يا خرفان ...وانت بكرا ترجعيلنا ساحف على وشك بعد ما يدمرك العجوز ده)
تقريبا اهلي انتزع من قلوبهم الرحـمه من معاملتهم لجدي بالسوء ده بس الليله دي بالذات ... ليلة العيد قررت اخد صفه ومسمحش لاي حد يهينه بس اللي حصل صدمني.. امي وابويا طردوني انا وجدي برا البيت في وسط عاصفه ثلجيه كفيله تجيب اجلنا...
ليلة العيد دي، لما أهلي زقّوني ناحية الباب وجدي، حسّيت إن ده أقسى عقاب في الدنيا. 
— امشوا إنتوا الاتنين… ومترجعوش غير لما تتعلموا الأدب!
صرخت أمي وهي بتقفل الباب بعنف.
برّه كان فيه عاصفة تلج بتلسع الوش، والهواء بيقطع النفس.
وجدي… اللي بالكاد كان بيعرف يمشي، مسكني من دراعي.
= تعال يا ابني…
همسلي بابتسامة غريبة…جه الوقت تعرف الحقيقة.
مشينا ساعات تحت التلج….أنا كنت بردان… جعان… وغضبان.
جدي طول عمره كان الفاشل في نظر العيلة…اللي عايش على إحسان أهلي.
اللي مش معاه يجيب لنفسه دواء، ولا يقدر يجيب لنا هدية.
طول عمري سامع نفس الكلام: ده راجل ضيّع عمره…ولا سايب اسم ولا فلوس…خليك بعيد عنهو… ده عبء..
بس الليلة دي… كان فيه حاجة مختلفة.
في صمته…
في خطواته…
في ثبات إيده وهي ماسكاني رغم الارتجاف.
وبعد ما جسمي

بدأ ينهار من التعب، وصلنا قدّام بوابة ضخمة… حديد أسود… عالية جدًا…
عمري ما شفتها في حياتي.
وقفت مذهول=جدو… إيه المكان ده؟
جدي مد إيده في جيبه الممزق…
وطلع مفتاح دبي.
أنا اتجمدت مكاني.
— مفتاح؟! إزاي؟!
ما ردش…بس قرّب من القفل…
ودوّر المفتاح… في لحظة…
البوابة اتحركت لوحدها! صوت الحديد وهو بيفتح كان زي الرعد….وفجأة…
أنوار قوية جدًا ضربت في عنينا. وأنا واقف مش صدق…
قدّامنا كان فيه قصر… مش بيت…
قصر ضخم… أضخم من أي حاجة شفتها في حياتي.
عربيات فارهة مركونة على الجنب…و… حراسة؟
قلت وأنا بتلعثم:
— جدو… إحنا فين؟!
وقبل ما يستوعب عقلي،
طلع تلات رجالة ببدل من جوّه بيجروا ناحية جدي.
— أستاذ حسين… إحنا مستنيين حضرتك.
— كل حاجة جاهزة للبث المباشر؟
أنا حسّيت إني بحلم.
“البث المباشر؟!”
إيه اللي بيحصل؟
في اللحظة دي…
جدي اتعدل.
اتعدل كأنه فجأة بقى أطول بعشرين سنة.
كأنه شال حمل عمر كامل من على ضهره.
عينيه لمعت… مش بدموع…بـ قرار….قرار خوّفني.
قال بصوت ثابت، لأول مرة أسمعه كده:
— أيوه.
— الليلة دي… ولادي هيدفعوا تمن كل إهانة.
— كل جنيه سرقوه مني وهم فاكريني عجوز خرفان.
— وكل كلمة قذرة قالوها عني قدام الناس.
أنا شهقت: ولادك؟!… تقصد… بابا؟
وعمّي؟!
جدي بصلي نظرة طويلة…نظرة فيها وجع سنين… وفيها قوة جديدة.
لسه هفتح بقي، لقيت كاميرات بتتثبت بسرعة.
ميكروفونات….إضاءة….ورجالة أمن واقفين صفّين.
حد من الطاقم قرب وسأل:
— حضرتك هنبدأ خلال دقيقتين… جاهز؟
جدي هز راسه…وبعدين بصلي وابتسم ابتسامة صغيرة:
— دلوقتي… هيعرفوا أنا مين بجد.
— وهيعرفوا هيكلفهم قد إيه اللي عملوه.
أنا كنت واقف مرعوب.
كل اللي في دماغي سؤال واحد:
إزاي جدي اللي كنت فاكره “فقير ومكسور”… يبقى صاحب القصر ده؟!
وليه مخبي ده كله؟
وليه الليلة دي بالذات؟
جدي قرب مني… مسك كتفي… وقال بهمس:
— عارف ليه سابوك يذلوك معايا؟
— لأنهم فاكرين إن محدش هيصدقك لو حكيت.
— وفاكرين إن كل اللي باسمي… ملكهم.
وبعدين رفع صوته لأول مرة قدام الكل:
— شغّلوا البث….
الكاميرا اشتغلت.
اللمبة الحمرا نورت.
وواحد من الطاقم قال:
— إحنا على الهوا.
جدي بصّ للكاميرا…
ملامحه اتغيّرت تمامًا.
مش ملامح عجوز ضعيف…
ملامح رجل كان ماسك الدنيا… وبيراقب في صمت.
قال بوضوح= اسمي حسين البدري…. والليلة… هكشف الحقيقه واللي اتدفنت سنين…. وهثبت بالأوراق… وبالحسابات… وبالشهود… إزاي اتسرقت… وإزاي اتقال عليّا “شحات”… وأنا اللي بنيت كل ده بإيدي.
أنا حسّيت
الأرض بتتهز تحت رجلي.
فجأة… موبايل واحد من الحراس رن.
وبعدين التاني….وبعدين التالت.
واضح إن البث وصل لأهلي.
جدي ابتسم…
ابتسامة فيها انتقام هادي… مش صراخ…
لكن عدل….وبصلي تاني وقال:
— افتكروا اللي قالوه؟ هترجعوا يوم تتوسلوا
النهارده… هما اللي هيتوسلوا.
واللي اكتشفته في الليلة دي…
خلاني أتجمد من الرعب… ومن الصدمة…
لأن الحقيقة ما كانتش بس “فلوس”…
كانت خيانة… وسرقة… وعمر كامل اتحرق.
الكاميرا كانت شغّالة…
واللمبة الحمرا منوّرة…
وأنا واقف جنب جدي، رجلي بتترعش، وقلبي بيخبط في صدري كأنه عايز يهرب.
جدي أخد نفس عميق، وبص للعدسة كأنه بيبص في عين كل واحد أذاه.
— اللي هيشوفوني دلوقتي…
قال بصوت هادي،
— يعرفوا إني عمري ما كنت عجوز غلبان.
— كنت ساكت… لأن السكوت كان أذكى.
في اللحظة دي، شاشة كبيرة نزلت ورا الكاميرات.
ظهرت عليها صور قديمة…
جدي شاب… واقف قدّام مصنع…
جدي في اجتماع…
جدي ماسك أوراق وعقود.
أنا شهقت من غير ما أحس.
— إيه ده؟!
جدي مالت ناحيتي وهمس:
— ده عمري اللي اتسرق.
وبص للكاميرا تاني:
— من أربعين سنة، أنا اللي أسست مجموعة “البدري للتجارة”.
— أنا اللي جبت الشراكات.
— أنا اللي اشتغلت ليل نهار.
— ولما تعبت…
— سلمت الإدارة
لأولادي…
— فاكرهم أمان.
الصورة اتغيّرت.
ظهر تسجيل صوتي…
صوت بابا…
وصوت عمّي.
“إحنا نوقّعه على التنازل وهو مش فاهم.”

تم نسخ الرابط