ما يخفيه القدر

لمحة نيوز


“العجوز خلاص… محدش هيدور وراه.”
“نطلع له معاش صغير ونخلّص.”
أنا حسّيت الدم بيطلع من وشي.
ده صوت أبويا.
ده صوت عمّي.
القاعة كلها اتجمدت.
حتى رجال الأمن كانوا مصدومين.
جدي كمل، وصوته ثابت:
— خدعوني.
— حبسوا عني حساباتي.
— سجّلوا كل حاجة بأسمهم.
— وبقوا يقولوا للناس إني فاشل…
— عجوز عالة…
— وأنا سكت.
الكاميرا قربت على وشه.
عينه كانت مليانة دموع… بس دموع محبوسة.
— سكت…
— مش ضعف.
— سكت عشان كنت مستني اللحظة الصح.
حد من الطاقم قرب وقال بصوت واطي:
— أستاذ حسين… نسب المشاهدة بتعلى بشكل جنوني.
جدي ابتسم ابتسامة خفيفة.
— خلّيهم يتفرجوا.
فجأة…
باب جانبي اتفتح بعنف.
وأنا سمعت صوت أعرفه كويس.
— إنت بتعمل’ إيه يا راجل مجنون؟!!
أبويا.
كان

واقف، وشه أحمر، هدومه مش متناسقة، واضح إنه جاي على عجلة.
ورا عمّي…’
وعمّتي…
وأمي.
أمي أول ما شافتني، ’صرخت:
— إنت إزاي تاخده من البيت في الجو ده؟!
بس محدش رد عليها.
جدي لفّ ببطء…’
وبصلهم لأول مرة من غير انكسار.
— أهلاً يا ولاد.’’
أبويا حاول يقرب، لكن الحراسة وقفةوه.
— إنت فاكر نفسك مين؟
— هتفضحنا على الهوا؟!
جدي قال بهدوء’ قاتل:
— أنا اللي اتفضحت سنين…
— ودلوقتي دوري أتكلم.
الشاشة عرضت تحويلات بنكية.
أرقام.
تواريخ.
توقيعات.
— كل جنيه اتسحب من حسابي.
— كل عقد اتزور.
— وكل مستند اتخبّى.
عمّي صرخ:
— دي كدبة!
— إنت ماضي بنفسك!
جدي رفع ملف سميك.
— أيوه…
— وأنا كمان مسجّل.
— وكل كلمة متسجلة بالصوت.
تشغيل تسجيل تاني.
صوت عمّي:
“وقّعه
هنا… ده إجراء روتيني.”
“إنت تعبان ومحتاج ترتاح.”
أمي وقعت على كرسي.
وشها شاحب.
وأبويا لأول مرة…
ما لاقيش كلمة.
جدي قرب من الكاميرا:
— الليلة دي…
— مش انتقام.
— عدل.
وطلع ورقة أخيرة.
— من سنتين…
— رجّعت كل أملاكي القانونية بهدوء.
— كل حاجة باسمي دلوقتي.
— الشركات…
— القصر…
— الحسابات.
هم اتصدموا.
— وسجلت كل ده قبل ما أمشي من البيت.
— واستنيت…
— استنيت اليوم اللي تطردوني فيه في عز البرد…
— عشان الحقيقة تطلع كاملة.
أنا بصّيت لأهلي.
افتكرت أمي وهي بتقفل الباب.
افتكرت كلامهم.
افتكرت نظرات الشفقة.
جدي مسك إيدي.
— طردوني…
— فدخلت بيك بيتي الحقيقي.
وبص لهم وقال:
— وبالنسبة ليكم…
— القضية اتحولت للنيابة.
— وكل اللي اتسرق…
— هيترد.
أبويا
انهار.
ركبته خبطت في الأرض.
— سامحني يا بابا…
— كنت فاكر…
— كنت محتاج فلوس…
جدي رد بصوت مكسور لأول مرة:
— كنت محتاجك تبقى بني آدم.
الشرطة ’دخلت.
الأسئلة بدأت.
الكاميرات شغالة.
وأنا واقف…
حاسس إني اتولدت من جديد.
بعد ساعات،
البث اتقفل.
القصر بقى هادي.
أنا قعدت جنب جدي قدّام المدفأة.
— ليه مخبيت كل ده عني؟
سألته.
ابتسم وقال:
— عشان كنت محتاج تشوف الحقيقة بعينك.
— وتعرف إن الكرامة أهم من الفلوس.
قلت وأنا دموعي نازلة:
— سامحني…
— كنت مصدق كلامهم.
شدّني في حضنه:
— كفاية إنك وقفت معايا في البرد.
بعد شهور…
رجعنا نعيش مع بعض.
مش في قصر…
في بيت هادي.
جدي فتح مؤسسة خيرية باسمه.
وأنا دخلت الجامعة.
أما أهلي…
فبقوا عبرة.
وكل ما ييجي عيد…
وأسمع
صوت هوا…
أفتكر الليلة اللي خرجت فيها فاكر نفسي اتعاقبت…
وطلعت فيها…
اتحررت.
لأن أحيانًا…
أقسى طرد
بيكون بداية الحقيقة.
— النهاية —

تم نسخ الرابط