وان اعمق الاوجاع هي ما تأتينا بعدما وثقنا كاملة حكايات اسما

لمحة نيوز

تجمّد وجه الأخرى لحظة، ثم ابتسمت بسخرية.. بعد إذنك.. أنا مش جاية أتناقش معاكي.. 
مدّت يدها لتقترب من السرير، لكن سَجدة تحركت بخفة، وقفت بينها وبين خالد، جسدها نحيل لكن وقفتها صلبة.
قالت بنبرة حاسمة، أول مرة يظهر فيها حدّة.. استني هنا.
ثم أضافت، بهدوء قاتل.. لما يفوق براحته.. 
مرت دقائق طويلة، صامتة، لا يُسمع فيها سوى صوت الأجهزة.. وأخيرًا، فتح خالد عينيه ببطء.
نظر حوله، تائهًا، ثم استقرت عيناه على المرأة الواقعه بتعاليم.. تغير وجهه، ارتجفت شفتاه.. 
همس بصوت مبحوح..  إنتِ..  هنا .. جيتي؟
اقتربت المرأة بسرعة، أمسكت يده.. طبعًا جيت.. أسيبك إزاي؟ نظرت سَجدة للمشهد دون أن تتحرك، دون أن يظهر على وجهها شيء.
هتف خالد بخوف ظاهر، كأنه يجاهد..  سَجدة.. دي.. 
قاطعته سَجدة بهدوء.. عارفاها.
نظر لها بدهشة.. عارفة؟
هزّت رأسها..  من زمان قوي.. يا خالد
المرأة الأخرى نظرت لسَجدة بحدة.. إزاي يعني؟ وبارده كده؟
ابتسمت سَجدة..  يعني من قبل ما تعرفي إنك مش أول واحدة.

. ولا آخر واحدة.. دا طبع فيه من يوم ما عرفته.. 
اتسعت عينا المرأة..  إنتِ بتقولي إيه؟ خالد
ردت سَجدة..  الحقيقة.. ولا فاكره انك اللي في القلب وحدك
سعل خالد بقوة، حاول أن يتكلم في تلك اللحظه علم أنه خسر اخر ما يملك من قلبها.. سَجدة.. اسمعيني.. 
اقتربت منه، مسحت جبينه، بحنان بارد.. اسمعك ليه؟ خلاص.. الوقت خلص.. 
ثم نظرت للمرأة..  تحبي تقعدي؟ اتفضلي.. ده مكانك دلوقتي.. انتي لوحدك
المرأة ترددت..  أنا.. أنا مش جاية علشان اعمل مشاكل.
ضحكت سَجدة ضحكة خافتة.. ولا أنا.. أنا خلصت مشاكل من زمان.. أو بالأحرى مش في دماغي.. انا هنا واجب مش اكتر
خرجت سَجدة من الغرفة، أغلقت الباب خلفها بهدوء.
جلست على المقعد في الممر، أخرجت نفسًا طويلًا، كأنها أفرغت رئتيها من حمل سنين.. مرت نصف ساعة.
خرجت المرأة مسرعة، عيناها محمرتان، وجهها شاحب، مرت بجوار سَجدة دون كلمة.
رفعت سَجدة رأسها..  استني.
توقفت المرأة.
قالت سَجدة..  تحبي تعرفي ليه عمري ما سيبته؟
نظرت لها الأخرى بتوتر.
.  مش مهم.
قالت سَجدة..  مهم.. عشانك.
سكتت لحظة، ثم أكملت.. — عشان ولادي. وعشان اليوم ده.
زوجته الاخرى ابتلعت ريقها.. يوم إيه؟
قالت سَجدة بهدوء.. — يوم ما يبقى ملكك.. بالكامل.. من غير ما أنا أكون موجودة.. يعني لو كتبله ربنا عمر مبروك عليك خالد يبقي ليكي لوحدك.. 
لم تفهم المرأة، لكن شيئًا في نبرة سَجدة جعلها ترتجف.. هذه المراه ليست طبيعية ابدا
في الليلة نفسها، ساءت حالة خالد.
أجهزة إنذار، أطباء، ممرضات، جري في الممر.
وقفت سَجدة في الزاوية، تراقب المشهد وكأنها تشاهده من بعيد.
بعد ساعة، خرج الطبيب.. — البقاء لله.
لم تصرخ.
لم تبكِ.
وقفت، شكرت الطبيب، دخلت الغرفة.
كانت زوجته الأخرى هناك، منهارة، تبكي.
اقتربت سَجدة من السرير، نظرت إلى خالد طويلًا.
همست له..  فاكر لما قلتلي العقاب الحقيقي لسه مبدأش؟
لم يرد.. انتهت رحلته.. رحل
قالت.. — بدأ.. من زمان.. بس إنت ما كنتش شايف.. انت عاقبتني وعاقبت نفسك.. ربنا يغفر لك لكن عمري ما هسامحك ربنا ينتقملي منك بحق وجع وحسرة قلبي ودموع عيني
اللي نشفت.. 
خرجت.. الجنازة كانت فخمة، كما أراد خالد دائمًا.
رجال أعمال، شركاء، كلمات رثاء.
ساجدة وقفت بجوار أولادها، ثابتة.
المرأة الأخرى كانت بعيدًا، منبوذة، لا يعرفها أحد.
بعد أيام، بدأت الحقيقة تظهر.
الوصية.
خالد، في نوبة خوف متأخرة، كتب وصية غيّرت كل شيء.
كل ثروته، كل أملاكه، حُولت باسم سَجدة وأولاده.
وزوجته الأخرى لم تحصل على شيء.
جاءت لسَجدة، غاضبة.. إنتِ خدعتيه! هو عمره ما حبك
نظرت لها سَجدة بهدوء.. — لأ.. هو خدع نفسه.. وبالنسبه للحب .. الحب ميعرفش لخالد طريق اصلا.. اقنعي نفسك انك كنتي مجرد مرحلة مؤقته.. محطه عاديه وقف استريح ومشي تاني
قالت الأخرى بالم من تشبيهاتها الصريخه.. كنتِ عارفة؟
ردت.. كنت مستنية.. مرّت شهور.
عادت سَجدة لعيادتها، وسّعتها، طورتها.
آدم كبر، وليلى أصبحت نسخة هادئة منها.
وفي ليلة هادئة، جلست سَجدة وحدها، لأول مرة، بلا واجب، بلا تمثيل.بكت.
بكت على نفسها.
ثم مسحت دموعها، وقالت بصوت مسموع لأول مرة.. الله لا يسامحك ابدا.. وفي قلبها، لم يعد رماد.. بل مساحة
فاضية.. تنتظر حياة جديدة.. ربما في الاخره افضل تمت

 

تم نسخ الرابط