خفايا القدر كاملة ممّصره بقلم اسما السيد
رجـل الأعمال شريف المنياوي كان على وشـك الذهاب بنزله بحريه علي متن يخته الفاخر لولا ظهور فتاه صغيره تصرخ قلب موازين حياته وانقذته…
في ذلك اليوم، استيقظ شريف بابتسامة تُقدَّر بالملايين.
فبعد كسب واحدة من أنجح صفقاته التجارية، قرر أن يحتفل بجولة بحرية على متن يخته الجديد، الأغلى في مرسى العلمين السياحي. كانت الأجواء مثالية:
سماء زرقاء صافية، نسيم البحر ينعش الروح، زجاجات المشروبات الفاخرة في أماكنها، والطاقم يقف على استعداد كامل.كان شريف يسير بثقة على الرصيف الخشبي، مرتديًا بدلته الكتانية الفاتحة، يبادل نظرات الإعجاب التي تلاحقه من الحضور….لكن تلك الخطوات الواثقة توقفت فجأة.
طفلة صغيرة، لا يتجاوز عمرها ثماني سنوات، حافية القدمين، ترتدي ثيابًا بالية، تقف أمام يخته الذي تتجاوز قيمته ملايين الدولارات.
تقدّم أفراد الأمن لإبعادها، لكنه لمح في عينيها شيئًا أربكه.
صرخت بصوت مرتعش: يا بيه يا بيه ، لو سمحت ما تطلعش اليخت دا..اسمع مني والله..
ابتسم شريف بسخرية خفيفة، وحاول تجاوزها، لكنها أسرعت ووقفت أمامه من جديد وصرخت بتوسل:
انا شُفت حلم وحش قوي… شُفتك، وشُفت البحر، وشُفت اللي هيحصل.
أمسك أفراد الأمن بكتفيها، لكنه رفع يده قائلًا:
انحنى وسألها بنبرة جادة: قوليلي شُفتي إيه؟
رفعت رأسها، وبصوت ثابت: المــوتور هيولّع الساعة تلاتة وسبعة وأربعين… واليخت هيغرق.
شعر شريف بقشعريرة تسري في جسده…نظر إلى ساعته…الثالثة وخمس وأربعون دقيقة.
وفجأة، صدر من داخل اليخت صوت غريب، أشبه بفرقعة مكتومة، تلاه اهتزاز خفيف في الهيكل.
في تلك اللحظة، أدرك شريف أن ما سيكتشفه بعد ذلك
لن يغيّر يومه فقط… بل حياته كلها….
في تلك اللحظة، أدرك شريف أن ما سيكتشفه بعد ذلك
لن يغيّر يومه فقط… بل حياته كلها.
تجمّد في مكانه لثوانٍ، وعيناه معلّقتان باليخت الراسي أمامه.
الصوت الذي خرج منه لم يكن طبيعيًا، ولم يكن من النوع الذي يمكن تجاهله أو تفسيره بسهولة.
فرقعة مكتومة، تلتها رعشة خفيفة في الهيكل، كأن شيئًا في الداخل يختنق.
التفت شريف بسرعة نحو قائد الطاقم، وقال بصوت حاد:
“إيه الصوت ده؟!”
ردّ الرجل وهو يحاول التماسك:
“مش عارف يا فندم… بس غالبًا حاجة بسيطة في المــوتور.”
لكن شريف لم يقتنع.
كان قلبه يدق بعنــف، وتلك الكلمات التي نطقت بها الطفلة قبل لحظات تدور في رأسه كأنها إنذار لا يتوقف.
نظر إليها مرة أخرى، فوجدها واقفة في مكانها، عيناها متسعتان، ووجهها شاحب، كأنها تنتظر حدوث شيء تعرفه
قال لها بهدوء مشوب بالتوتر:
“إنتِ اسمك إيه؟”
ردّت بصوت منخفض:
“سما.”
“مين اللي جابك هنا يا سما؟”
سألها، بينما كان أحد أفراد الأمن يراقب المشهد بحيرة.
هزّت رأسها وقالت:
“محدش… أنا كنت ماشية لوحدي.”
لم يُكمل الحديث، لأن صوتًا أعلى هذه المرة دوّى من داخل اليخت، تبعه صراخ أحد أفراد الطاقم من الداخل:
“يا فندم! في دخان!”
في أقل من ثانية، تحوّل المكان إلى فوضى.
رجال الأمن اندفعوا نحو اليخت، والطاقم بدأ يصرخ بإرشادات متداخلة، بينما تصاعد دخان أسود كثيف من غرفة المحرك.
صرخ شريف:
“اطفوا المــوتور فورًا! حد يجيب طفايات!”
لكن الوقت كان أسرع من الجميع.
اندلع لهب مفاجئ من أسفل سطح اليخت، تبعه انفجار جزئي هزّ الرصيف بأكمله.
صرخ الناس، وتراجع بعضهم للخلف، بينما سقط أحد أفراد الطاقم أرضًا من شدة الارتطام.
شريف تراجع خطوة واحدة فقط، لا أكثر.
كان ينظر إلى المشهد بعينين مذهولتين، غير قادر على استيعاب ما يحدث.
التفت فجأة إلى سما…
فلم يجدها.
شعر بذعر حقيقي لأول مرة منذ سنوات.
بدأ يبحث عنها بنظره بين الجموع، حتى رآها على بُعد أمتار قليلة، واقفة بثبات غريب، تحدّق في اليخت المشتعل.
اقترب منها بسرعة، أمسك بيدها دون تفكير، وقال:
“إنتِ كويسة؟”
نظرت
“قلتلك ما تطلعش.”
مرّت دقائق بدت كأنها ساعات، حتى تمكنت فرق الطوارئ من السيطرة على الحريق.
اليخت لم يغرق، لكنه تضرر بشدة، وأُعلن رسميًا أنه غير صالح للإبحار في الوقت الحالي.
وقف شريف جانبًا، يراقب المشهد، ويده ما زالت تمسك بيد الطفلة.
لم يشعر بوجودها إلا الآن… دافئة، حقيقية، ليست حلمًا.
اقترب منه أحد الضباط وسأله:
“حضرتك صاحب اليخت؟”
أومأ شريف برأسه.
“واضح إن ربنا نجاك النهارده يا فندم.”
لم يرد.
كان ذهنه مشغولًا بشيء واحد فقط:
كيف لطفلة صغيرة أن تعرف ما سيحدث بالدقيقة؟
بعد انتهاء الفوضى، أخذ شريف سما جانبًا، وجلس أمامها القرفصاء.
قال لها بصوت منخفض:
“عايزك تحكيلي الحقيقة… إنتِ عرفتي اللي هيحصل إزاي؟”
ترددت قليلًا، ثم قالت:
“بيحصلي كده دايمًا… بشوف حاجات قبل ما تحصل.”
قطّب حاجبيه:
“يعني إيه؟”
“يعني بحلم… والحلم بيطلع حقيقي.”
لم يكن شريف من الأشخاص الذين يؤمنون بالخرافات.
عقله بُني على الأرقام، والتحليل، والمخاطرة المحسوبة.
لكن ما رآه اليوم كسر كل قواعده.
“حد غيرك يعرف الموضوع ده؟”
سألها.
هزّت رأسها نفيًا:
“لا… محدش بيصدقني.”
تنهد بعمق، ثم قال:
“إنتِ عايشة فين؟”
أشارت بيدها نحو المنطقة الخلفية من المرسى،
“هناك.”
في تلك اللحظة، اتخذ شريف قرارًا لم يتخذه طوال حياته المهنية: