خفايا القدر كاملة ممّصره بقلم اسما السيد
قرار بلا دراسة، بلا حسابات، بلا عقود.
قال وهو يقف:
“إنتِ هتيجي معايا.”
اتسعت عيناها:
“فين؟”
“مكان آمن.”
حاول أفراد الأمن الاعتراض، لكنه حسم الأمر بنبرة لا تقبل النقاش.
بعد ساعات، كانت سما تجلس في المقعد الخلفي لسيارته الفاخرة، تنظر من النافذة بدهشة إلى الشوارع الواسعة والأنوار الساطعة.
وصلوا إلى قصره المطل على البحر.
مكان لم تطأه قدم طفلة مثلها من قبل.
دخلت بخطوات مترددة، وكأنها تخشى أن تُطرد في أي لحظة.
لكن شريف قال بهدوء:
“من النهارده، إنتِ هنا.”
مرت الأيام، وبدأ شريف يلاحظ أشياء غريبة.
سما كانت تحذّره من مكالمات قبل أن تأتي، ومن صفقات قبل أن تفشل، ومن أشخاص قبل أن يخونوا.
في البداية تجاهل الأمر.
ثم بدأ يختبره.
ثم… بدأ يؤمن.
وفي إحدى الليالي، دخلت سما غرفته وهي تبكي.
قالت بصوت مرتجف:
“الحلم المرة دي وحش قوي.”
جلس شريف أمامها، قلبه منقبـض:
“عن إيه؟”
“عن واحد قريب منك… هيأذيك.”
شعر شريف ببرودة تسري في جسده.
لم يكن الخطر قادمًا من البحر هذه المرة…
بل من أقرب الدوائر حوله.
وهنا فقط، فهم الحقيقة كاملة:
إن الطفلة التي أنقذت حياته
بل اختبار.
وربما… عقاب أو نعمة، لم يُحدد شكلها بعد.
منذ تلك الليلة، لم يعد شريف المنياوي ينام كما كان.
صار يستيقظ على أقل صوت، يراقب الوجوه من حوله، ويُعيد حساباته في كل خطوة.
كلمات سما ظلّت عالقة في رأسه كناقوس خطر لا يتوقف.
«واحد قريب منك… هيأذيك».
قريب؟
شريف لم يكن يثق في كثيرين من الأساس، لكن كلمة قريب فتحت أبوابًا كان يظنها مغلقة بإحكام.
في صباح اليوم التالي، جلس في مكتبه الزجاجي المطل على البحر.
أمامه ملفات، وشاشات، وتقارير، لكن عينيه كانتا شاردتين.
دخل مساعده الشخصي مازن، الرجل الذي رافقه لسنوات.
قال بابتسامة معتادة:
“صباح الخير يا شريف بيه… أخبار اليخت إيه؟”
رفع شريف عينيه ببطء، وحدّق فيه طويلًا قبل أن يرد:
“اتلغى.”
تفاجأ مازن:
“إتلغى؟! بس حضرتك كنت مستني الجولة دي من زمان.”
أغلق شريف الملف أمامه وقال بنبرة هادئة أكثر مما ينبغي:
“الدنيا مش دايمًا بتمشي زي ما إحنا مخططين.”
خرج مازن، لكن نظرة في عينيه لم تمرّ على شريف مرور الكرام.
كانت نظرة خاطفة، لكنها محمّلة بشيء غامض… شيء لم يكن موجودًا من قبل.
في
كانت تلعب بالعشب، ترسم دوائر صغيرة بإصبعها، كأنها تحاول الهروب من فكرة تؤرقها.
قال لها:
“الحلم اللي قولتي عليه… شُفتي تفاصيل أكتر؟”
هزّت رأسها ببطء:
“مش كله… بس شُفت مكتبك… وشُفت ورق كتير… وصوت حد بيضحك.”
انقبـض صدره….”ضحك؟””آه… ضحك مش حلو.”
في اليوم التالي، بدأت الأحداث تتسارع.
اكتشف شريف أن واحدة من أكبر صفقاته على وشك الانهيار بسبب تسريب معلومات سرية.
المعلومة لم يكن يعرفها سوى ثلاثة أشخاص فقط:
هو… مازن… وشريك قديم يدعى حسام الرفاعي.
استدعى شريف حسام أولًا.
واجهه بالأرقام، بالوثائق، وبالوقائع.
الرجل صُدم، أقسم، وبكى.
ولم يجد شريف ما يدينه…بقي اسم واحد.
في تلك الليلة، لم تحلم سما….بل استيقظت مفزوعة، تصرخ.
ركض شريف إلى غرفتها.
“سما! في إيه؟”
كانت تبكي وتقول:
“هو… هو عارف.”
“مين؟”
“اللي هيأذيك.”
لم ينتظر شريف أكثر.
في الصباح، واجه مازن بكل شيء.
التسريبات، التحويلات، الحسابات السرية.
انهار مازن.
جلس على الكرسي، ودفــن وجهه بين يديه.
قال بصوت مكسور:
“أنا مكنتش عايز أعمل كده… بس الطمع…
أمر شريف فورًا بتسليمه للجهات المختصة.
وبينما كان مازن يُقتاد خارج القصر، نظر إلى سما نظرة حقد لم تُنسَ.
بعدها بأيام، عاد الهدوء… ظاهريًا فقط.
شريف لم يعد الرجل نفسه.
صار أكثر إنسانية، أقل قسوة.
أنشأ مؤسسة لرعاية الأطفال المشردين، وكان اسمها: “مؤسسة سما للأمل”.
لكن سما… بدأت تتغيّر.
أصبحت أكثر صمتًا.
أكثر شرودًا.
وكأن الأحلام صارت أثقل من أن تُحكى.
وفي إحدى الليالي، قالت له فجأة:
“أنا مش هفضل هنا كتير.”تجمّد..”يعني إيه؟”
“يعني دوري قرب يخلص.””دور إيه؟ إنتِ بنتي دلوقتي.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة، أكبر من سنها:.”مش دايمًا اللي بينقذنا بيكمل معانا.”في صباح اليوم التالي…
اختفت سما….لم يُعثر لها على أثر.
لا في القصر، ولا في الشوارع، ولا في أي سجل.
لكنها تركت شيئًا واحدًا على مكتبه:
ورقة صغيرة، مكتوب عليها بخط طفولي: “افتكر… ربنا بيبعت إنذارات قبل الضـربة…إنت سمعت… وغيرك لأ.”وقف شريف أمام البحر، والنسيم يضـرب وجهه، وأدرك الحقيقة التي لم يفهمها إلا الآن:
أن نجاته لم تكن بسبب ذكائه…بل لأنه صدّق طفلة،
في عالم لا يصدق إلا الأقوياء.
لو النهاية لمستك… صلّي على النبي وسيب رأيك في التعليقات تمت سلسلة حكايات اسما