الزواج من سباك قلب حياتي بعد بث الزفاف على التلفزيون

لمحة نيوز

الزواج من سباك... كم هو محرج والداي سخروا وضحكت اختي وسألت من سيحضر مثل هذا العرس لقد اداروا ظهورهم وتركوني اسير في الممر وحدي.
كان الهاتف يهتز عند خاصرتي بلا هوادة طنينا متواصلا كأنه كائن غاضب يحاول أن يحرق ثقبا في حرير فستان زفافي الأبيض. لم أحتج أن أنظر إلى الشاشة لأعرف من يتصل. كنت أعرف تماما. نفس الأسماء التي اختارت الغياب قبل ساعات نفس الأصوات التي قررت أن تجعل من يومي درسا قاسيا في المكانة الاجتماعية والاختيار الصحيح.
قبل ذلك بقليل كانت الحديقة غارقة في صمت جارح. وقفت عند المذبح أقبض على باقة من أزهار الأوركيد البرية لأخفي ارتجاف يدي وأحدق في صفوف الكراسي البيضاء القابلة للطي. الكراسي كانت مصطفة بعناية لكنها فارغة على نحو مهين. الجانب الأيسر المخصص لعائلة العروس كان أرضا قاحلة. لا خالات يذرفن الدموع لا أبناء عم يرفعون هواتفهم لالتقاط اللحظة ولا أب ينتظر أن يمسك بذراعي ويمشي معي في الممر.
في تلك اللحظة شعرت أنني لا أقف في حفل زفاف بل في محاكمة صامتة.
ذلك الصباح

قبل أن أرتدي الفستان أصدرت المرأة التي أنجبتني حكمها النهائي. اسمها باتريسيا سيدة مجتمع تعيش للصورة أكثر مما تعيش للناس. كانت تقف في غرفة نومها الواسعة محاطة بالمرايا تنظر إلي كما ينظر إلى خطأ لا يمكن إصلاحه. نفخت على أظافرها المصقولة بعناية وقالت ببرود مدروس
تتزوجين سباكا كم هو محرج. هل تتوقعين منا أن نشهد هذه المهزلة
لم تنتظر ردا. لم تكن تسأل بل تعلن.
انضم إليها أخي الأكبر رامي الذي طالما لعب دور الصدى لأفكارها. أطلق ضحكة قصيرة جافة وقال
من سيحضر زفافا كهذا أصلا هل تتخيلين أصدقاءنا وهم يجلسون في حديقة عادية يشاهدونك ترتبطين برجل يصلح الأنابيب
أما أختي الصغرى جوهرة العائلة كما كانوا يلقبونها كريمة فقد وقفت أمام المرآة تصلح مكياجها وقالت دون أن تلتفت إلي
لدينا سمعة يا ندى. الناس تتحدث. وأنت اخترت أن تكوني وحدك.
كانت تلك الجملة الأخيرة هي الأقسى.
أنت وحدك.
ثم أداروا ظهورهم جميعا. لم يكن هناك صراخ ولا دموع ولا مشهد درامي. فقط انسحاب بارد منظم كأنهم يغادرون غرفة اجتماع
لا يناسبهم جدولها. ذهبوا إلى حفلة على متن يخت خاص متلهفين لإبعاد أنفسهم عن عار اختياري مقتنعين أن غيابهم سيكسرني وأن تركي أسير وحدي في الممر سيكون درسا لا أنساه عن الطبقات الاجتماعية وحدود الطموح.
لكنهم لم يروا ما رأيته أنا.
عندما رفعت عيني عند المذبح وجدته واقفا أمامي. مروان. الرجل الذي سخروا منه. لم يكن يرتدي بدلة مصممة خصيصا ولا ساعة باهظة الثمن لكن وقفته كانت مستقيمة على نحو لا يشترى. يداه خشنتان من العمل آثار السنين واضحة عليهما لكن عينيه كانتا تحملان طمأنينة غريبة كأنهما تقولان أنا هنا وهذا يكفي.
في تلك اللحظة فهمت معنى أن يكون الإنسان غنيا دون أن يملك شيئا.
الهاتف عاد يهتز بعنف أكبر. رسائل تتدفق. مكالمات فائتة تتراكم. اعتذارات مبهمة. تغير مفاجئ في النبرة. لم أفهم بعد ما الذي أشعل هذا الذعر لكنني شعرت أن شيئا ما يحدث بعيدا عن الحديقة في مكان آخر تماما خارج عالم العائلة المغلقة.
همس مروان صوته منخفض لكنه ثابت وكأنه يريد أن يربطني بالأرض
أطفئيه دعهم يرنون.
نظرت
إلى الشاشة لثانية واحدة. عشرات المكالمات. أسماء أعرفها جيدا. نفس الأسماء التي قالت صباحا إن زفافي وصمة. أغلقت الهاتف دون تردد.
لم يكونوا يتصلون ليتمنوا لي السعادة.
كانوا يتصلون لأنهم في تلك اللحظة تحديدا شغلوا التلفاز.
لم يكن لديهم أدنى فكرة أن السباك الذي ضحكوا منه الرجل الذي يقف أمامي الآن لم يكن يصلح الأنابيب فقط. لم يعرفوا أن اسمه كان يتردد في نشرات الأخبار ولا أن الصفقة التي أعلنت لتوها جعلت اسمه عنوانا رئيسيا على كل شبكة إخبارية كبرى.
العالم كله كان ينظر إلينا.
وهم كانوا آخر من عرف.
تقدمت خطوة نحو المذبح والممر الفارغ لم يعد يبدو مهينا كما ظنوا. كان الممر ملكي وحدي. كل خطوة فيه كانت إعلانا صامتا بأنني لم أخسر شيئا بغيابهم بل تخلصت من وزن لم أعد أحتمله.
وفي تلك اللحظة أدركت أن العار الذي حاولوا تعليقه في عنقي لم يكن سوى مرآة تعكس خواءهم هم.
وكان الهاتف
لا يزال يهتز
لكنني لم أعد أسمعه بالطريقة نفسها.
لم يكن في الحديقة شيء يوحي بأن العالم في الخارج قد تغير. الموسيقى
الهادئة ما زالت تنساب
تم نسخ الرابط