الزواج من سباك قلب حياتي بعد بث الزفاف على التلفزيون
والنسيم الخفيف يحرك أطراف الفستان والسماء تميل إلى زرقة صافية كأنها لا تعبأ بما يحدث في نشرات الأخبار. لكن الهاتف الراقد بصمت في حقيبتي الصغيرة بعد أن أغلقته كان يحمل وزنا مختلفا الآن. لم يعد مجرد جهاز يرن صار شاهدا على انقلاب لم أكن أطلبه لكنه جاء في توقيته الخاص.
بدأت المراسم. الكلمات التي تليت لم تكن استعراضا ولا وعدا مثاليا كانت بسيطة صادقة تشبهنا. حين أمسك مروان بيدي شعرت بخشونة مألوفة تطمئن أكثر مما تربك. تلك اليدان لم تربيا على التصفيق في القاعات اللامعة بل على العمل على الإصلاح على أن يعاد الماء إلى مجراه حين يختل. أدركت للمرة الأولى بوضوح أن الرجولة ليست لقبا اجتماعيا بل فعلا يوميا.
مع أول تصفيق لاحظت حركة خفيفة عند أطراف الحديقة. بعض الصحفيين الذين وصلتهم الإشارة قبل غيرهم وقفوا على مسافة محترمة. لم يكن حضورهم صاخبا ولا محرجا. كانوا هناك لأن خبرا كبيرا
كان اسمه ينطق على الشاشات مروان السالمي.
وكان يعرف بصفته رائد أعمال لا السباك.
بعد انتهاء المراسم سمحت لنفسي بنظرة واحدة إلى الهاتف. تسعة وعشرون اتصالا فائتا ثم واحد وثلاثون ثم سبعة وثلاثون. رسائل نصية تتكدس
لم نكن نعرف.
اتصلي فورا.
هناك سوء فهم.
العائلة لا تتخلى عنك.
ابتسمت ابتسامة قصيرة. لم أشعر بالشماتة ولا بالرغبة في الرد. شعرت فقط بالهدوء. ذلك الهدوء الذي يأتي حين تتضح الصورة أخيرا وحين تسقط الكلمات الكبيرة من عليائها لتصير بلا معنى.
اقترب منا صديق قديم لمروان يعمل معه منذ سنوات. قال بهمس
البث وصل للتلفزيون الوطني قبل نصف ساعة. الخبر يتصدر الآن. أظن أن اليخت توقف عن الإبحار.
نظرت إلى مروان. لم يبد
لن نغير شيئا من أجلهم.
وفي تلك الجملة عرفت لماذا اخترته.
في المساء حين هدأ كل شيء وصلني اتصال واحد فقط لم أتجاهله. رقم والدتي. تركته يرن قليلا ثم أجبت. جاء صوتها أقل صلابة أقل يقينا
ندى لم نكن نعلم. كان الأمر مفاجئا.
قلت بهدوء
أعلم. كما كان غيابكم مفاجئا لي.
صمتت. ثم قالت
ربما أخطأنا في الحكم.
لم أجادل. لم أعاتب. قلت فقط
الأحكام لا تصلح بالاعتذار وحده.
أغلقت المكالمة ووضعت الهاتف جانبا. شعرت بأنني أغلقت بابا داخليا ظل مفتوحا طويلا لا بقسوة بل بنضج.
بعد أيام عرضت علينا القنوات مقابلات وانهالت الدعوات. اخترنا الصمت. لم نكن بحاجة إلى أن نثبت شيئا لأحد. الحقيقة ظهرت وحدها كما تفعل دائما دون صراخ.
عدنا إلى بيتنا الصغير. علقنا فستان الزفاف بعناية لا كرمز لانتصار اجتماعي بل كذكرى يوم اخترنا فيه
بعد شهر وصلتني رسالة قصيرة من أختي
هل يمكن أن نلتقي
قرأت الرسالة ثم أغلقتها. ليس كل باب يغلق يعاد فتحه. بعض الأبواب تغلق لتعلمنا أين يكون البيت حقا.
في إحدى الأمسيات جلسنا على الشرفة نراقب الغروب. قلت له
هل تشعر بالأسف لأنهم سخروا
هز رأسه مبتسما
لو لم يسخروا لما عرفت أي طريق تختارين.
فهمت آنذاك أن العار الذي حاولوا أن يلصقوه بنا كان امتحانا لا أكثر. امتحانا كشف من يرى الإنسان ومن لا يرى سوى اللافتة.
رن الهاتف مرة أخيرة. رقم غير محفوظ. تجاهلته. وضعت الهاتف مقلوبا وأمسكت يده.
العالم قد يعرف قصتنا الآن
لكن الأهم
أننا نعرفها كما هي.
وهكذا لم يعد الزواج من سباك محرجا
بل صار درسا في أن القيمة لا تقاس بما يراه الآخرون