رأى سائق حافلة مدرسية فتاة صغيرة تبكي كل يوم
رأى سائق حافلة مدرسية فتاة صغيرة تبكي كل يوم فقرر أن ينظر تحت مقعدها بعد إنزالها فحبس أنفاسه. لم يكن يوسف كرم يتخيل أن صباحا عاديا من تلك الصباحات المتشابهة التي تبدأ قبل شروق الشمس بقليل سيترك أثرا لا يمحى في ذاكرته.
منذ اثني عشر عاما وهو يقود الحافلة المدرسية ذاتها يقطع المسار نفسه بين الأزقة المتلاصقة في حي قديم لا يلتفت إليه أحد. حفظ وجوه الأطفال كما يحفظ إشارات الطريق يعرف من ينام قرب النافذة ومن يثرثر بلا توقف ومن يضحك بصوت أعلى من اللازم.
لكن منذ أيام بدأ شيء صغير صامت يضغط على صدره كلما تحركت الحافلة.
كانت طفلة.
لا شيء في ملامحها يلفت الانتباه للوهلة الأولى. اسمها مريم في السابعة من عمرها تجلس دائما في المقعد الأوسط جهة اليمين تضع حقيبتها على فخذيها كدرع وتحدق خارج النافذة كأنها تبحث عن شيء بعيد لا يراه سواها.
الاختلاف الوحيد أنها كانت تبكي.
بلا صوت.
دموع هادئة متواصلة لا تتوقف إلا عند نزولها من الحافلة.
في البداية أقنع يوسف نفسه
تبكي فقط داخل الحافلة.
وكان ذلك يزعجه أكثر مما يريد الاعتراف به.
في صباح بارد على غير العادة لاحظ يوسف أن الطفلة ترتدي المعطف نفسه الذي رأها به منذ أسبوع. لونه باهت وأكمامه أطول قليلا من ذراعيها كأنه مستعمل أو أعطي لها على عجل. عيناها كانتا متورمتين وشفتاها جافتين كأن النوم لم يزرها ليلا.
حين مرت بجواره شعر بانقباض حاد في صدره.
ذلك الإحساس الغامض الذي يخبرك أن هناك خطرا دون أن تستطيع تسميته.
في نهاية اليوم وبعد أن أنزل آخر طفل لاحظ يوسف أن مريم لم تتحرك. بقيت جالسة كتفاها مشدودان وعيناها معلقتان بالأرض.
قال لها بلطف لم يستخدمه منذ زمن
وصلنا يا مريم.
أومأت ثم نزلت بخطوات صغيرة مترددة. تابعها بنظره حتى اختفت عند زاوية الشارع وحين
دفتر.
صغير حلزوني غلافه متهالك. لم يكن الأطفال ينسون أشياءهم عادة كانوا يتشبثون بها كأنها جزء من أجسادهم. تردد يوسف لحظة ثم التقطه.
حين رفعه سمع صوت ارتطام خافت أسفل المقعد.
تجمد مكانه.
انحنى ببطء وأضاء بهاتفه تحت الكرسي المعدني.
وهناك رأى ما جعله يحبس أنفاسه.
غرض صغير مخبأ بعناية في أقصى الخلف كأنه وضع ليبقى غير مرئي. شيء لا علاقة له بلعب الأطفال ولا بأقلام التلوين.
امتد القلق في جسده مثل تيار بارد. حدسه الذي لم يخذله يوما كان يصرخ هذا ليس صدفة.
مد يده وسحبه ببطء.
وفي اللحظة نفسها اهتز هاتفه.
رسالة قصيرة من رقم مجهول
لا تتدخل. اترك ما وجدته مكانه.
شعر يوسف بجفاف في حلقه.
لم يكن السؤال ماذا هذا الشيء بل من الذي يراقبه
نظر حوله. الشارع شبه فارغ الأضواء خافتة ولا حركة ترى. ومع ذلك كانت الرسالة دليلا قاطعا على أن ما حدث داخل الحافلة لم يكن سرا.
أخفى الغرض في جيبه وأدار المحرك وقلبه يخفق بعنف.
في تلك الليلة جلس
في الداخل نقود مطوية بعناية مفتاح صغير وورقة مهترئة.
كانت الكلمات مكتوبة بخط طفولي غير متوازن
عشان ما يزعقوش.
شعر يوسف بالغثيان.
لم يكن هذا مجرد خوف طفلة كان دليلا على تهديد على عنف على عالم مظلم يدار خلف أبواب مغلقة.
نام تلك الليلة نوما متقطعا تتلاحق فيه الأسئلة
هل يتصل بالشرطة
هل يتجاهل الأمر كما طلب منه
وماذا لو كان أي تحرك منه سيعرض الطفلة لخطر أكبر
في الصباح التالي صعدت مريم إلى الحافلة كعادتها. نفس المقعد نفس الصمت. لكن يوسف كان يراها الآن بعين مختلفة.
لاحظ رعشة أصابعها شدة قبضتها على الحقيبة والكدمة الخفيفة التي اختبأت بالكاد تحت كم المعطف.
حين وصلت الحافلة إلى المدرسة وقبل أن تنزل قال بصوت منخفض
لو احتاجتي مساعدة في أي وقت أنا موجود.
تجمدت للحظة. نظرت إليه بعينين واسعتين ممتلئتين بخوف لا يليق بطفلة.
لم تقل شيئا.
لكنها في تلك اللحظة تركت خلفها
لم تمر تلك الليلة على يوسف