الملياردير شاهد ابنته تأكل بعد أسبوعين… والسبب امرأة لم تخطر بباله أبدًا
على النار بدأ المطبخ يمتلئ برائحة مختلفة. ليست رائحة فخامة بل رائحة تشبه البيوت القديمة تشبه الصباحات الهادئة تشبه الأمان الذي لا يشرح. رائحة توقظ الذكريات قبل الشهية.
دخلت السيدة تشن وتوقفت عند الباب مترددة. نظرت إلى المقلاة ثم إلى جيسيكا باستغراب.
سألتها عما تفعل.
أجابتها جيسيكا ببساطة أفطار.
قالت السيدة تشن إن هذا ليس ما أوصى به الأطباء.
ابتسمت جيسيكا ابتسامة صغيرة وقالت بهدوء الأطباء حاولوا كل شيء. ولم يحدث شيء.
ثم أضافت وهي تقلب الشطيرة ببطء حين فقدت أمي لم يكن أحد يسألني عما أحتاجه. جدتي كانت تجلس بجانبي وتطهو طعاما بسيطا. لم تكن تطعمني فقط كانت تقول لي دون كلمات إنني لست وحدي.
لم ترد السيدة تشن. لم تكن مقتنعة تماما لكنها شعرت أن الاعتراض فقد معناه منذ زمن.
ظهر جيمس عند باب المطبخ. وجهه شاحب عيناه غائرتان من السهر. نظر إلى المقلاة وسأل بصوت مشدود ما هذا
قالت جيسيكا شطيرة.
قال بحدة مكبوتة هذا ليس ضمن الخطة.
رفعت عينيها إليه بهدوء أعلم. لكن الخطة لم تطعمها.
سادت لحظة صمت ثقيلة. كان جيمس ممزقا بين حاجته للسيطرة وخوفه الذي لم يعد يحتمل.
قال أخيرا إن لم ينجح هذا
سكت.
قالت جيسيكا سأرحل.
ثم أضافت بهدوء وإن نجح
لم يجب. استدار وخرج تاركا خلفه صمتا يحمل رجاء خائفا.
قطعت جيسيكا الشطيرة إلى مثلثات صغيرة وضعتها في طبق أبيض بسيط. لا زينة لا ترتيب مبالغ فيه. ثم صعدت الدرج بخطوات بطيئة وقلبها يخفق لا خوفا بل حذرا من الأمل.
طرقت الباب طرقا خفيفا
كانت صوفي في المكان نفسه. على الأرض قرب السرير تحتضن ركبتيها تحدق في نقطة غير مرئية.
جلست جيسيكا على الكرسي نفسه وضعت الطبق بينهما لا أمام الطفلة مباشرة كأنها تترك لها حرية القرار.
ثم فعلت شيئا لم يتوقعه أحد.
مدت يدها أخذت أحد المثلثات وأكلته.
بهدوء.
دون استعجال.
كأن العالم كله توقف عند تلك اللقمة.
راقبتها صوفي بعينين ساكنتين لكنهما لم تكونا فارغتين. كانتا تتبعان كل حركة.
وضعت جيسيكا المثلث في الطبق وقالت بنبرة دافئة جدتي كانت تقول إن الجبن المشوي ألذ حين تأكله مع شخص تثق به.
ساد الصمت.
ثم خرج صوت صغير بالكاد يسمع أمي كانت تصنعه.
شعرت جيسيكا بشيء ينقبض في صدرها.
قالت حقا
أومأت صوفي.
في يوم الأحد.
ابتسمت جيسيكا وقالت إذا كانت تعرف سر الطعم.
رفعت صوفي رأسها قليلا وكأن سؤالا ظل محبوسا طويلا وجد طريقه أخيرا.
قالت لو أكلته هل سأنساها
اقتربت جيسيكا ببطء وقالت بصدق لا يحتمل الزيف لا. الأكل لا ينسي. الأكل يعني أنك تتذكرين.
امتلأت عينا الطفلة بالدموع.
تعديني
أعدك.
مدت صوفي يدها بتردد كأنها تخشى أن يختفي كل شيء. أمسكت بالمثلث شمته وبكت. ثم أخذت قضمة صغيرة جدا.
مضغت ببطء وعيناها مغمضتان.
ثم ابتلعت.
وفي تلك اللحظة انفتح باب كان مغلقا منذ شهور.
انفجرت بالبكاء. بكاء حقيقي عميق مؤلم. اقتربت جيسيكا واحتضنتها دون كلمات. كانت صوفي تقول بين شهقاتها أفتقدها أفتقد أمي.
وفي باب الغرفة كان جيمس واقفا.
يده على فمه.
دموعه تنهمر.
لم يكن يشاهد ابنته تأكل
تقدم جيمس خطوة واحدة فقط. لم يجرؤ على الاقتراب أكثر كأن أي حركة خاطئة قد تعيد كل شيء إلى الصمت من جديد. رأت صوفي وجهه من خلال دموعها وخرج صوتها مبحوحا
بابا
سقط على ركبتيه أمامها دون تفكير. لم يكن رجل أعمال الآن ولا رجلا اعتاد السيطرة. كان أبا خائفا.
قال بصوت مكسور أنا هنا أنا هنا يا صوفي.
مدت يدها إليه وهي ما تزال تمسك بقطعة الخبز باليد الأخرى. أمسكها بكلتا يديه قبلها مرة ثم أخرى وكأنه يحاول أن يمحو بها كل غيابه السابق.
قالت بصوت صغير لكنه واضح أنا باكل زي ما ماما كانت بتحب.
لم يستطع الرد. فقط هز رأسه والدموع تسيل بلا خجل.
أخذت قضمة ثانية. ثم ثالثة.
وكانت كل لقمة إعلانا خفيا أنا ما زلت أريد أن أعيش.
بعد قليل نامت صوفي منهكة. جسدها الصغير لم يحتمل انفجار المشاعر. جلست جيسيكا إلى جوارها تمسك يدها بينما وقف جيمس عند النافذة ظهره لهما كتفاه يهتزان بصمت.
قطعت صوفي السكون فجأة بصوت ناعم
آنسة جيسيكا
نعم يا حبيبتي.
سألت ببراءة جارحة ليه كانوا عايزين يخلوني أحسن وأنا ما كنتش عايزة أبقى أحسن
تجمد الهواء.
استدار جيمس.
شعرت جيسيكا أن قلبها توقف.
قالت صوفي ببساطة قاتلة كنت عايزة أروح لماما.
لم تكن تعرف ثقل كلماتها. كانت تشرح فكرتها كما يشرح طفل لعبة. قالت إن جدتها أخبرتها أن أمها في السماء فظنت أن التوقف عن الأكل هو الطريق.
ركع جيمس عند سريرها واحتضنها وبكى كما لم يبك من قبل.
قال بصوت محطم ليه ما قولتيش
قالت وهي ترتجف كنت دايما
كانت الكلمات كسكين.
قال لا لا يا صوفي. ده مش صحيح.
قالت بهدوء مؤلم بعد ما ماما ماتت بطلت تحكيلي قبل النوم.
انهار تماما.
قال وهو يضمها أنا آسف كنت خايف. هربت بدل ما أبقى جنبك.
لمست خده وقالت هتسيبني تاني
قال أبدا. أعدك.
نظرت إلى جيسيكا وسألت ماما عايزاني معاها في السماء
قالت جيسيكا بصوت ثابت رغم ارتجافه لا. أمك عايزاكي هنا. تعيشي وتكبري وتضحكي.
فكرت صوفي طويلا ثم قالت لأبيها هتنام معايا
قال كل ليلة.
ومنذ تلك الليلة لم يترك جيمس غرفتها. كان يراقب أنفاسها كأن النوم نفسه تهديد.
مرت أسابيع.
بدأت صوفي تأكل.
في البداية لقيمات ثم وجبات. عاد اللون إلى وجهها وعاد الكلام ثم الضحك.
والبيت الذي كان صامتا كالقبر عاد بيتا.
تغير جيمس هو الآخر. صار يعود مبكرا. يقرأ لها. يطهو معها. وصار يوم الأحد طقسا ثابتا جبن مشوي على الطاولة الصغيرة في المطبخ.
وفي أحد الأيام سألت صوفي تفتكري ماما وأمك صحاب في السماء
ابتسمت جيسيكا وقالت أكيد.
قالت صوفي كده هما مش لوحدهم.
ومع الوقت نشأت مشاعر جديدة. لم تكن خيانة للماضي بل امتدادا للحياة.
وفي ليلة هادئة قال جيمس لجيسيكا بصوت مرتجف إنه يحبها.
بكت وقالت إنها تحبه أيضا.
حين رأت صوفي يديهما متشابكتين سألت بجدية طفولية هتتجوزوا
ضحكوا.
قالت بس الجبن يفضل يوم الأحد.
قالوا إلى الأبد.
مرت الشهور.
وفي يوم رسمت صوفي عائلتها. أربعة أشخاص وفي زاوية الورقة امرأة في سحابة.
قالت دي ماما بس هي معانا.
وفي تلك
وشعر أخيرا بشيء كان يظنه مات
السلام.