كيف يأذي الإنسان من هم من دمه؟ كاملة بقلم اسما السيد

لمحة نيوز

رجعـت من غربـة 15سنه لقـيت بنتي خدامه في بيت اختـي بتتهان وبتتعامل اسوأ معاملة

بعد خمسة عشر عامًا قضيتُها في بناء شركتي للنقل والخدمات اللوجستية خارج مصر عدتُ أخيرًا إلى القاهرة وأنا أحمل شوقًا ثقيلًا لرؤية ابنتي ليلى التي تركتها طفلة في العاشرة من عمرها بعينين لامعتين لا تتوقفان عن السؤال عن العالم وكيف يُدار ومن يحكمه ولماذا ينجح بعض الناس بينما ينهار آخرون، وقبل سفري كنت قد اشتريت لها فيلا فاخرة في التجمع الخامس مسجّلة باسمها بالكامل ومدفوعة الثمن عن قناعة راسخة بأن المال حين يُترك في أيدٍ أمينة يتحول إلى أمان لا إلى سلاح، وأوكلت رعايتها لأختي نادية مؤمنًا أن الدم لا يخون وأن الأمانة لا تحتاج إلى رقابة حين تكون النوايا صافية.
لم أنقطع يومًا عن إرسال المال ولم يتأخر تحويل واحد ولم أشك لحظة في أن ابنتي تعيش حياة كريمة كما خططت لها، وعندما

وصلت إلى بوابة الفيلا لم يكن هناك ما يثير الريبة فالحديقة مشذبة بعناية والنوافذ لامعة والواجهة صامتة توحي بالثراء والاستقرار، لكن ما إن دخلت حتى شعرت بأن شيئًا ما لا يستقيم وأن الهواء نفسه في الداخل يحمل ثقلًا لا يُرى.
رأيت امرأة ترتدي زيّ خادمات باهت اللون تجثو قرب السلم الرخامي تفرك الأرض بيدين مرتجفتين وظهرٍ منحنٍ كأن السنوات انقضّت عليه دفعة واحدة وشعرٍ مرفوع بإهمال لا يشبه بيوت الرفاهية، وكدت أحيّيها تحية عابرة بدافع اللياقة لولا أنها رفعت وجهها في تلك اللحظة فكةشفت لي الحقيقة دفعة واحدة بلا تمهيد ولا رحمة.
كانت ليلى.
لم تكن ابنتي كما تركتها ولم تكن حتى كما تخيّلتها بل بدت أكبر من عمرها بسنوات طويلة بعينين غائرتين ووجنتين شاحبتين وعلى ساعديها كدمات خافتة لا تخطئها عين أب لم يرَ ابنته منذ نصف عمرها، تجمّدت في مكانها حين رأتني لا تعرف هل
تقترب أم تعتذر كأن وجودي نفسه يتطلب إذنًا.ة
نطقت اسمها بصوتٍ بالكاد خرج من صدري وهمست ليلى فحدّقت فيّ طويلًا قبل أن تومض شرارة التعرف في عينيها وقالت بتردد يشبه الخوف بابا أنت رجعت، ولم أستفق من الصدمة بعد حتى خرجت نادية من الصالة ترتدي ملابس منزلية فاخرة وتحمل كأسًا بيدها وقد تبدّلت ملامحها فورًا من ضيقٍ إلى ترحيب مصطنع وهي تقول بلهجة خفيفة الرجوع بدري كده ليلى لسه عندها شغل تخلصه وبعدين نقعد نتكلم.
تعلّقت عيناي بابنتي ثم بها وسألت دون أن أرفع صوتي شغل في بيتها، فتصلبت ابتسامتها وقالت بنبرة دفاعية إن هناك أشياء لا أفهمها وإن ليلى تحتاج إلى الانضباط لكنها لم تُكمل لأنني أخرجت هاتفي في تلك اللحظة واتصلت بمحاميّ وقلت أربع كلمات فقط كانت كافية ليبتلع الصمت المكان كله…
عجبتك عندك شغف تكملها طيب صلي على محمد
اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لم
أنتظر رد فعل نادية ولم ألتفت إلى ارتباكها المصطنع ولا إلى محاولة تدارك الموقف بابتسامة متخشبة فقد كانت عيناي معلقتين بليلى وحدها وكانت الفجوة بين ما كنت أظنه حياتها وما رأيته بعيني أوسع من أن تُردم بكلمات سريعة أو اعتذارات مرتجلة، تقدمت خطوة نحوها فارتعشت يداها وكأنها تخشى أن ألمسها دون إذن فزاد ذلك النار اشتعالًا في صدري وأدركت أن الخوف صار عادة عندها لا شعورًا عابرًا.
قلت لها بهدوء مصطنع تعالي يا ليلى اقفي جنبي فاقتربت بخطوات محسوبة تنظر بطرف عينها إلى نادية كأنها تنتظر إشارة سماح، هنا فقط التفتُّ إلى أختي وقلت لها بصوت ثابت لم أعرفه في نفسي من قبل ليلى مش خدامة دي بنتي والبيت ده بيتها واللي حصل ده هيتحاسب. حاولت نادية أن تضحك ضحكة قصيرة وقالت إنني مكبر الموضوع وإن ليلى كانت تساعد فقط لتتعلم الاعتماد على النفس لكنني قاطعتها وطلبت منها أن
تصمت.

تم نسخ الرابط