كيف يأذي الإنسان من هم من دمه؟ كاملة بقلم اسما السيد

لمحة نيوز

جلست ليلى على طرف الأريكة ولم تجلس في المنتصف كأنها لا تستحق المساحة الكاملة بينما جلست نادية قبالتنا تحاول استعادة سيطرتها المعتادة وبدأت تشرح بلا طلب كيف أن الظروف صعبة وكيف أنها تحملت مسؤولية تربية فتاة مراهقة وحدها وكيف أن الانضباط ضروري لتقويم الأخلاق وكانت تتحدث وكأنها تُلقي درسًا عامًا لا تبريرًا لجريمة، تركتها تتكلم بينما كنت أستمع إلى ما هو أبعد من كلماتها أستمع إلى نبرة التعالي وإلى القسوة المختبئة خلف عبارات التربية وإلى إحساس امتلاك لم تمنحه إياه الأيام ولا القرابة.
سألت ليلى سؤالًا واحدًا :  حد مد إيده عليك قبل كدا؟؟
فسكتت طويلًا ثم هزت رأسها بنعم صغيرة كأنها تعترف بذنب لا باعتداء وقع عليها فشعرت بشيء ينكسر داخلي بلا صوت ونظرت إلى نادية فوجدت عينيها تزوغان بعيدًا فقالت إنها كانت تربي وإن الضرب أحيانًا
ضروري فقلت لها وأنا أنهض إنك غلطانة وغلطك ده مش هيتغطى بكلمة تربية ولا نية طيبة.
في تلك الليلة لم أنم في الفيلا بل أخذت ليلى وخرجنا دون أن ألتفت خلفي نزلنا إلى فندق قريب وجلست معها حتى الفجر تحكي لي عن سنوات كاملة اختُزلت في همسات عن الاستيقاظ قبل الجميع والتنظيف والطهي وعن كلمات جارحة تُقال كل يوم حتى صارت جزءًا من صوتها الدال دقيقة قضيتها بعيدًا عنها كانت دينًا في عنقي لا يسدده اعتذار ولا مال.
في الصباح بدأت الخطوات العملية اتصلت بالمحامي مرة أخرى وطلبت منه ملفًا كاملًا عن كل ما يخص الفيلا وعن التحويلات وعن أي عقود وقعت عليها نادية باسم الوصاية واتصلت بطبيب ليفحص ليلى ويكتب تقريرًا كاملًا لا للفضيحة بل للحقيقة واتصلت بمدرسة قريبة لأعرف إن كانت مسجلة أم لا فاكتشفت أن تعليمها انقطع منذ وسنوات بحجة التركيز على شؤون
البيت.
واجهت نادية بعد أيام بمستندات لم تتوقعها ولم أرفع صوتي ولم أهدد اكتفيت بأن وضعت الأوراق أمامها واحدة تلو الأخرى وقلت لها إن العلاقة بيننا انتهت وإن العدالة ستأخذ وقتها وإن ليلى لن تعود خطوة واحدة إلى هذا البيت وإن أي محاولة للاتصال بها ستكون موثقة. حاولت أن تبكي ثم حاولت أن تساوم ثم حاولت أن تهاجم لكنها في النهاية انهارت لأن الأقنعة لا تصمد طويلًا حين تُسحب الأضواء.
بدأت رحلة ترميم ليلى ببطء نقلتها إلى بيت صغير هادئ في المعادي بعيدًا عن الضجيج وبدأنا جلسات علاج نفسي بلا استعجال ولا ضغط وقلت لها إن الزمن لا يُسترد لكن المستقبل يُبنى وإن البيت الحقيقي هو المكان الذي لا تخاف فيه من أن تكون نفسها. تعلمت أن أكون حاضرًا لا ممولًا فقط وأن أستمع أكثر مما أتكلم وأن أعتذر حين يلزم الاعتذار لا مرة واحدة بل كل يوم حتى تشعر
أن الأمان عاد.
مرت الشهور وتغيرت ليلى تدريجيًا عادت تبتسم دون خوف عادت تسأل عادت تقرأ عادت تحلم وذات مساء قالت لي بابا أنا عايزة أدرس إدارة أعمال زيك فضحكت لأول مرة من القلب وشعرت أن الدائرة بدأت تُغلق وأن ما انكسر يمكن أن يُرمم بالصبر لا بالعجلة.
القضية أخذت مسارها ولم أفرح بالانتصار القانوني بقدر فرحي باستعادة ابنتي لنفسها وعرفت متأخرًا أن الدم قد يخون وأن الأمانة تحتاج إلى رقابة وأن الغربة لا تُقاس بالمسافة بل بما نفقده ونحن نظن أننا نبني، واليوم حين أقف بجوار ليلى وهي تدخل الجامعة أدرك أن العودة لم تكن نهاية رحلة بل بدايتها وأن أصعب الأسئلة ليست كيف يؤذي الإنسان دمه ولحمه بل كيف نصمت طويلًا ونحسب الصمت أمانًا.
حــصريات بيدك حكايا,ت توته وستوته
تمت حكايات اسما السيد               

تم نسخ الرابط